فهرس الكتاب

الصفحة 1904 من 27809

التاسع والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها ألا يتخلفوا عن خوض معركة الدين ضد المنادين بانتهاء عصره، والراغبين في حصره داخل إطار ضيق منعزل عن الحياة، وجعله روحانيًا صوريًا كما فعله أهل الحل والعقد في بعض الدول التي أغفلت في دستورها التنصيص على دينها الرسمي، والذين تخلفوا عن خوض المعركة معهم وتخاذلوا عن مواجهتهم والاستعداد لقهرهم، لم يحققوا عبودية الله كما أمر، لفساد ضمائرهم بالمادة وركونهم إلى الحياة الدنيا واستحبابهم لها على الآخرة، وتلاشي يقينهم بالله بحيث تركوا الاستعانة به والتوكل عليه المشجعين على العمل، والاستعداد بكل قوة للجهاد في سبيله، ومراغمة أعدائه القائلين ما قالوا، والله - جل وعلا- شرع قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة ليعملوا بمدلولها، فيحققوا ابتهالهم إليه. ومخاطبتهم له بـ ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ? ولو حققوا ذلك لما نبت هذا الإلحاد، فضلًا عن انتصاره، فجهل العامة بمدلولها، واستكانة علمائهم إلى الدعة ولذة العيش عن نيل وعد الله في الآخرة، هو الذي أنبت في الدنيا كل إلحاد ومكر ورذيلة، فيا ويل من وقف أمام الله كل يوم عشرات الركعات يردد فيها هذه الآية الكريمة دون عمل بمدلولها؛ لأنه بعيد عن الصدق مع الله، ومن لم يصدق مع مولاه فلا خير فيه وكان عرضة للغضب وكل عقوبة. ومن هنا يدرك القارئ السر في سوء حظ المسلمين الذين يقولون ما لا يفعلون بعدم تنفيذهم لقول الله تعالى: ? إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ? [يوسف: 40] ، ? وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ? [الشورى: 10] ، ? فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ? [النساء: 59] أليس تخلفهم وتخاذلهم أمام تلاميذ الإفرنج الذين عزلوا الإسلام عن الحكم دليلًا على ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر؟ إلا أن المؤمن الذي يرجو لقاء ربه لا يرضى بإقصاء دينه وتحكيم غيره، بل يثور على كل نحلة فاجرة حتى يحيا سعيدًا ويموت شهيدًا، ولا يترك تلاميذ الإفرنج يستوردون قوانين الدخلاء ويبثون عاداتهم وتقاليدهم، فيرتفع رصيدهم على حساب دين الله، هذا شيء لا يقبله من أسلم وجهه لله وأخلص دينه لله ولم يخش أحدا إلا الله، وإنما يقبل ضعيف الإيمان، عديم الإخلاص، من يخشى الناس من دون الله، ويتزلف إلى طواغيتهم الذين شرعوا لهم ما لم يأذن به الله، وهذا غير محقق لـ ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ? بل هو مناقض لقوله، ومسلم وجهه لمن تزلف إليه من الحكام، وانشرح صدره لتشريعاته، ولذا خذل الله المنتسبين للإسلام من ذلك الصنف وجعلهم يوصمون بالرجعية وكل منقصة ممن عبدوه وأسلموا وجوههم إليه، ولم يشفع لهم خدماتهم لسياسته وإفتاؤهم العوام ببذل زكاتهم لنصرته تمشيًا لرغباته، فها هي الأقلام تجري والإذاعات تعوي من أولئك النابذين للدين بسبب المنتسبين إليه مع مهادنتهم إياهم والمشي في ركابهم؛ لأنهم فرطوا في جنب الله فأذلهم، ولو عبدوه حقًا ونصروه لحقق لهم وعده الذي كتبه على نفسه بقوله: ? إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ? [محمد: 7] ، ? وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ? [الروم: 47] ، ولكنهم ركنوا إلى الذين ظلموا بتبديلهم قولًا غير الذي قيل لهم، أو جبنوا فانخذلوا أمامهم خشية لهم من دون الله، فسلطهم الله عليهم فزادوهم رهقًا واتخذوهم سخريًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت