فهرس الكتاب

الصفحة 20223 من 27809

مدرسة الخليل أول مدرسة عرفتها العربية في تاريخ المعجم العربي , والخليل إمام هذه المدرسة وإمام المعجميين العرب عامة , فهو أول من شقّ أمامهم طريق التأليف المعجمي ودلهم عليه , وفتح لهم بابه.

وقِوام مدرسته ترتيب المواد على الحروف حسب مخارجها , وتقسيم المعجم إلى كتب , وتفريع الكتب إلى أبواب بحسب الأبنية , وحشد الكلمات في الأبواب , وقلبُ الكلمة إلى مختلف الصيغ التي تاتي منها , مثل قوله في باب السين والميم مع الواو والألف والياء: سوم , وسم , سمو , مسو , موس. وإهمال مالم يستعمل إذا لم يجئ , فهو قد أهمل في هذا الباب"ومس"لأن العرب لم تستعمله في رأيه.

وقد سار بعض رواد التاليف المعجمي على نهج الخليل , فالتزمه الأزهري في"التهذيب"وابن عباد في"المحيط", والقالي في"البارع".

ولم يكن هؤلاء الرواد مقلدين , ولم يتبعوا الخليل في كل دقيقة من دقائق منهجه , بل خالفوه في بعض منهجه , وأضافوا إلى طريقة الخليل أشياء جديدة , وهذا الجديد الذي أضافوه أو المقصد الذي أرادوه , نتيجة تطور التأليف المعجمي الملحوظ بين البادئ المبتكر , والتابع المتأخر , , ,

فالخليل أراد أن يحصر اللغة - كما حصر العروض - حصرًا علميًا , بوساطة الأرقام , وذكر أن عدد أبنية كلام العرب - المستعمل والمهمل - على مراتبها الأربع , من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي اثنا عشر مليون كلمة.

وطريقة الخليل في الإحصاء طريقة دقيقة مبنية على علم الحساب , فهو رأى أن الحروف التي تتألف منها الكلمات ثمانية وعشرون , والأبنية أربع.

ففي الثنائي -مثلا - ذكر أن عدد أبنيته 756 وذلك ناتج من أن عدد الحروف الهجائية 28 وتضرب في 27 وهي الكلمات التي تتركب مع الحرف الذي تبتدئ به الكلمة , بعد ان يسقط هو نفسه في التركيب مع جنسه , فحرف الهمزة مع الباء فالتاء فالثاء حتى الياء يكوّن سبعًا وعشرين كلمة , فسضرب هذا العدد في عدد الحروف ينتج 756 منها المهمل , ومنها المستعمل.

وهكذا صنع في أبنية الثلاثي فالرباعي فالخماسي.

وطريقة الخليل هي الفاذة في إحصاء مواد اللغة , ولكن الرقم الذ ذكره ليس هو المستعمل , بل فيه المهمل ة وهو كثير , ولعله أكثر من المستعمل.

أما أتباع مدرسة الخليل فقد قصدوا على جمع اللغة , ولكنهم أرادوا مع ذلك ان يسموا عملهم بجديد , فوصف الأزهري عمله في كتابه أنه"تهذيب اللغة"ونفيُ الغلط عنها وتصويب ما لحق بعض ألفاظها من تصحيف وتحريف.

أما ابن دريد فسمى كتابه"جمهرة اللغة"واسمه يدل على مقصده من تأليف معجمه , فهو عنى بتدوين جمهور العربية , أما غيره فيذكره عرضًا , ومقصد ابن عباد في"المحيط"استيعاب المواد واستدراك ما أغفله غيره ممن سبقوه , ومقصد القالي قريب من مقصد الأزهري.

ومن أوجه الخلاف بين رائد هذه المدرسة وأتباعها أن الخليل جعل كل كتاب في معجمه قائمًا على حرف من حروف الهجاء , ومقسومًا إلى أربعة أبواب: الثنائي المضاعف , والثلاثي الصحيح , واللفيف , وجعل الباب الرابع للرباعي والخماسيّ.

وكذلك صنع القالي , إلاّ أنه أفرد لكل من الرباعي والخماسي بابًا , وعزل ماكان ثلاثيًا معتلًا بحرف عن اللفيف , وسماه الثلاثي المعتل.

والأزهري الذي اتبع الخليل وسار على طريقه خطوة خطوة , خالفه في المهموز وأحرف العلّة , فالخليل حشد ماكان معتلًا بحرف أو حرفين مع المهموز دون تفرقة , وجعلهما في باب اللفيف , وأراد الأزهري إفراد المهموز , وعزْله عن المعتل , ولكنه لم يوفق كل التوفيق.

وصنع الصاحب صُنع الأزهري في باب اللفيف , وافتتح الباب بالصحيح , ثم ما كان مبدوءًاُ بالهمزة , ثم ما كان أوله واوًا , ثم ما كان أوله ياء , ولكن لم يتّبع الصاحبُ هذا النهج في الثلاثي المعتل.

وأراد ابن فارس التخلص من مدرسة العين , ولكنه لم يستطع أن يخرج عنها , فقد تبع العين في بعض الخطوط التي خطّها الخليل , منها: أنّ ابن فارس قسّم معجمه بحسب الأبنية , وهذا هو بعض قواعد كتاب العين.

واتبع أيضًا طريقة أبي عمرو الشيباني بعد أن أدخل عليها كثيرًا من الضبط والإحكام , فهو سار في ترتيب مواد معجمه المجمل والمقاييس على ترتيب حروف الهجاء , وكان ابن فارس أكثر توفيقًا من أبي عمرو في ترتيب الكلمات إذ راعى الحرف الثاني , ولكن البرمكي كان أكثر منهما توفيقًا في هذا السبيل.

ولعلّ أهم عيوب هذه المدرسة - باستثناء معجمي ابن فارس- وعورة الطريق لمن يريد أم ينتقل في ربوعها , وصدُّها الشادي عن منهلها كل الصدود , وإجهادها العالم الذي يقصدها مسترشدًا مستفيدًا.

يتبع ..

ـ [علي أحمد عبد الباقي] ــــــــ [18 - Jan-2008, صباحًا 04:53] ـ

جزاك الله خيرًا.

ومن المصادر المهمة في الوصف والتأريخ للمدارس المعجمية كتاب (( المعجم العربي نشأته وتطوره ) )للدكتور حسين محمد نصار الأستاذ المتفرغ بكلية الآداب - جامعة القاهر والمدير الأسبق لمعهد المخطوطات، وهذا الكتاب من أوائل ما صنف في هذا الباب نال به مؤلفه درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها من جامعة القاهرة في الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي، ويقع في جزئين وقد طبع عدة مرات بمكتبة مصر - القاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت