بالنسبة للأولى، فذلك أن المستشرقين استكثروا على عربي مسلم أن يكون واضع أول معجم في تاريخ البشرية، وهذا حقد من جهتين: دينية على الإسلام، وشعوبية على العرب.
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} النساء54
وموقف المستشرقين مفهوم، لكن كيف نفسر موقف العرب والمسلمين، من أمثال الأساتذة الدكاترة: إبراهيم أنيس - شوقي ضيف- أحمد مختار عمر .. خاصة الأخير في كتابه (البحث اللغوي عند الهنود) الذي ردد فيه هذه الآراء الباطلة.
أما فرية إسحاق بن حنين، فأول من فندها هو أستاذي أ. د. إبراهيم السامرائي، في كتابيه (فقه اللغة المقارن - في شعاب العربية)
وكل هذا مردود؛ بأن الخليل لم يكن يعرف اللغتين الهندية السنسكريتية، ولا اليونانية.
ولا يلتمس العذر في هذا أبدا للمستشرقين؛ فإن أكثرهم علماء في اللغات السامية
بعكس الأساتذة آنفي الذكر، فمعرفتهم بها محدودة، ومن هنا أتوا
فكل دارس للغات السامية - فضلا عن باحث، فضلا عن عالم بها - يعرف أن الكنعانيين -لا الهنود ولا اليونان - هم أول من اخترع الأبجدية، وذلك قبل الميلاد بآلاف السنين، أما أول نظام أبجدي متكامل - بما فيه الهمزة - فهو من اختراع الأوجاريتيين، ويرجح أنهم أجداد العرب الشماليين، وعنهم أخذ العرب الجنوبيون (اليمن) تلك الأبجدية، ثم أخذها الآراميون، ومن الآراميين انتلقت إلى العبرية.
إن من له اقل معرفة باللغة الأكدية - ويسمع عن قانون حمورابي مثلا - يعرف أن الإعراب كان معروفا فيها، وبشكل واضح، ولو اطلع إبراهيم أنيس و إبراهيم مصطفى على ذلك ما أنكرا أصالته في العربية، وما زعما صلة باليونان، على أن هذا الرأي ليس جديدا؛ فقد قال به قطرب تلميذ سيبويه.
وليس وضع النحو بأعجب من اختراع العروض، الذي أوجده الخليل من العدم
على غير قياس سابق، وما زالت نظريات - حتى اليوم - تعد أساسا لعلوم وفنون كثيرة، منها:
1 -الرياضيات؛ فأساس التباديل والتوافيق هو نظام الخليل المعجمي في (العين) 2 - الموسيقى والمقامات؛ فما يزال دكاترة الموسيقى يدرسون عروض الخليل وتفعيلاته، عند شرح الإيقاع.
فضلا عن اللغة والنحو.
ورغم أن هذه العلوم قد عرفت عند الساميين - قبل الخليل بالآف السنين - فلا يستطيع أحد أن يزعم استقاء الخليل إياها منهم، فلم يكن له أدنى معرفة بها، ومن زعم غير ذلك فعليه الدليل.
وإنما هي مواهب وقدرات مكن الله له فيها، كما مكن لغيره من غير العرب والمسلمين
وإلا فهل يقال مثل هذا عن آينشتاين أو نيوتن مثلا؟
إنه الحقد والحسد الأصلع