فهرس الكتاب

الصفحة 23225 من 27809

من حيث كونه عاملا بل أقوى العوامل يعمل ظاهرا ومقدرا ومتأخرا. ومن اجل ومن اجل ذلك لم يولوا مسالة الدلالة الرمانية حقها. فما كان على (فعل) ونحوها دال على الماضي، وما كان على (يفعل) ونحوها دال على الحال أو الاستقبال. (1)

ويعزز هذا الموقف وصحته أن النحاة لم يلتفتوا إلى دقائق الزمن ما ذهب إليه الدكتور تمام حسان، فهو يرى أنّ النحاة انصرفوا إلى دراسة الفعل وبنيته ودلالة هذه البنية على الزمن دون اختبار هذه الأفعال في التراكيب، يقول: (إنّ النحاة درسوا زمن الأفعال على المستوى الصرفي وهي في غزلتها عن التراكيب ولم يختبروا نتائج دراستهم إلا في تراكيب الجملة الخبرية البسيطة، فرأوا الماضي ماضيا دائما والمضارع حالا أو مستقبلا دائما، فوضعوا بذلك قواعدهم الزمنية ثم اصطدموا بعد ذلك بأساليب الإنشاء فنسبوا وظيفة الزمن إلى الأدوات وهي منه براء والى الظروف وهي تفيده معجميا لا وظيفيا) . (2)

ومع القسوة التي يحملها هذا الرأي على من أسس ووضع أصول النحو وضوابطه إلا انه يفتح أبوابا أخرى لمسالة الفعل وزمنه غفل عنها النحاة، وهذا أمر طبيعي، فما يحجبه الله عن المتأخر يفتحه للمتقدم.

فالنحاة على الصحيح لم يقفوا وقفات طويلة ودقيقة على هذه الصيغ ليروا كيف تنصرف إلى حدود أخرى تعرب وتفصح عن الخصوصيات الرمانية.

أما الزمن النحوي فهو وظيفة السياق يؤديها الفعل داخل التراكيب اللغوية وما نقل إليه من أقسام الكلم والقرائن. فما كان على بنية (فعل) يدل على (يفعل) أو العكس.، كما سنرى.

ونستطيع أن نحمل على هذا النحو الفعل"كان"، فهو في كثير من الاستعمالات لا يراد به بناء مفرغ من الزمن , أو زمن منقطع كما يتوهم كثير من الدارسين. كما سنرى.

1)الفعل زمانه وأبنيته (21)

2)اللغة العربية معناها ومبناها (3)

المطلب الثاني: مصطلح (كان الناسخة)

النسخ لغة: إبطال الشيء وإقامة آخر مكانه. وفي التنزيل:"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها"ونسخت الريح آثار الديار غيرتها، ونسخت الشمس الظل إذا ذهبت به وأبطلته وحلت محله. (1)

أما في الاصطلاح فقد اجمع النحاة على اختلاف مذهبهم أنّ النسخ ما يرفع حكم المبتدأ والخبر أي يبطله. وهو على ثلاثة أنواع: ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر، ويكون في العوامل الفعلية (كان وأخواتها) ، وما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، ويكون في العوامل شبه الفعلية (إنّ وأخواتها) ، وما ينصبهما معًا، ويكون في العوامل الفعلية (ظنّ وأخواتها) .

وإذا تتبعنا التطور الدلالي لمصطلح النواسخ نجد أنّ أول من استخدمه صراحة هو ابن هشام الأنصاري في (شرح قطر الندى وبل الصدى) (3) والذي يدل على ذلك أنّ سيبويه (180) هجري ومن جاء بعده من النحاة لم يذكروا لفظة النواسخ بالمعنى الاصطلاحي، ولم يذكرها إلا ابن مالك في ألفيته (672هجري) في الحديث عن تخفيف همزة إنّ،بقوله:

والفعل إن لم يكُ ناسخا فلا تلفيه غالبا بأن ذي مُوصلا (3)

ولم يذكر مصطلح النواسخ في باب (النواسخ) .

يقول سعيد النعيمي: (ويبدوا أنّ هذا المصطلح اللغوي قد تبلور واتضحت معالمه على يد ابن هشام الأنصاري(761هـ) ، إذ استخدمه الاستخدام الدقيق الذي سار عليه المحدثون فيما بعد. والدليل على ذلك أنّ ابن منظور صاحب لسان العرب لم يذكر المعنى الاصطلاحي للنواسخ (711هـ) وهو بعد ابن مالك وابن هشام). (4)

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

(1) لسان العرب مادة نسخ (ج3\ 61) ، وانظر الكليات (892)

(2) شرح قطر الندى (123)

(3) اشرح ابن عقيل 1/ 297

(4) النواسخ في كتاب سيبويه (6)

المطلب الثاني: فعلية (كان)

كان الناسخة عند أغلب النحاة أفعالا، فسيبويه جعل عنوان الباب باب الفعل، يقول: (هذا باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول واسم الفاعل واسم المفعول فيه لشيء واحد) ،وجاء في تمثيله لهذه الأفعال للدلالة على أنّ كان وأخواتها أفعالا لاتصال الفاعلين بها و وقوعها على المفعولين قوله:"نقول: كناهم كما تقل ضربناهم، وتقول إذا لم نكنهم فمن ذا يكونهم كما تقول إذا لم نضربهم فمن ذا يضربهم, وهو كائن ومكون كما هو ضارب ومضروب". (1)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت