فهرس الكتاب

الصفحة 25403 من 27809

وروينا بالإسناد الصحيح عن ثابت بن الحجاج أنه قال: قال عمر بن الخطاب: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم .. )

وروينا بالإسناد الثابت عن أبي الدرداء أنه قال: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا) .

وروينا بأصح إسناد عن راشد بن سعد، قال: (جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: أوصني فقال أبو الدرداء: اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء، وإذا ذكرت الموتى فاجعل نفسك كأحدهم، وإذا أشرفت نفسك على شيء من أمور الدنيا فانظر إلى ما تصير إليه) .

وروينا بالإسناد الصحيح عن الحسن البصري أنه قال: (لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والعاجز يمضي قدما لا يعاتب نفسه) .

وصح عنه أنه قال: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته) .

وصح عنه أنه قال: (المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة) .

وصح عن مالك بن دينار قال: (رحم الله عبدا قال لنفسه النفيسة: ألَسْتِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها) .

ودونك طرفًا من طراز تلك التخيُّلات في تقريع الذات، الواقعة في كلام السلف أصحاب الهمم العاليات: فمن ذلك:

ما رُوِّيناه بالأسانيد الصحيحة والمقبولة عن الحسن البصري وزبيد اليامي وجعفر بن برقان وصالح بن مسمار وغيرهم من أئمة السلف الصالح أنهم ذكروا: -واللفظ لجعفر وصالح- في سياق قصة حارثة بن مالك المشهورة قوله للنبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله عن حقيقة إيمانه؟ قال: (عزَفَتْ نفسي من الدنيا، وأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي حين يجاء به، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أسمع عواء أهل النار) .

قلت: وقد ورد هذا الحديث موصولا ومرسلا، والمرسل أصح كما قاله ابن رجب وغيره.

فانظر: إلى استحضار حارثة نفسه في موقف الحساب، حتى كأنه لينظر إلى عرش ربه حين يجي، ويسمع صرخات أهل النار، وتلك الحال من أعلى منازل اليقين بالله، الباعثة على صلاح النفس بتذكيرها تلك المشاهد التي تشيب لهولها ولدان أهل الدنيا!

قال الشمس ابن القيم في كتابه: (الروح) : (فهذه الطمأنينة أصل أصول الإيمان التي قام عليه بناؤه ثم يطمئن إلى خبره عما بعد الموت من أمور البرزخ وما بعدها من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كله عيانا ... ) . ثم ساق حديث حارثة الماضي.

وروينا من طرق يقوي بعضها بعضًا عن سليمان الفارسي أنه قال: (ثَلَاثٌ أَعْجَبَتْنِي حَتَّى أَضْحَكَتْنِي، وَثَلَاثٌ أَحْزَنَتْنِي حَتَّى أَبْكَتْنِي ... ) فذكر التي أضحكته ثم قال: (وَأَمَّا الَّتِي أَبْكَتْنِي فَفُرَاقُ الْأَحِبَّةِ يَعْنِي مَوْتَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَالثَّانِي هَوْلُ الْمَطْلَعِ يَعْنِي نُزُولَ الْمَوْتِ، وَالثَّالِثُ الْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، لَا أَدْرِي إِلَى أَيْنَ يَأْمُرُ بِي رَبِّي؟ إِلَى الْجَنَّةِ أَمْ إِلَى النَّارِ؟) .

فتأمل تخيُّله الوقوف بين يدي الجبار مع وجَلِه من عاقبة أمره؟

وروينا بالإسناد الصالح عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ قَالَ: (بَاتَ هَرِمٌ الْعَبْدِيُّ عِنْدَ حُمَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: فبات حممة يَبْكِي لَيْلَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ لَهُ هَرِمٌ: يَا حُمَمَةُ، مَا أَبْكَاكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ لَيْلَةً صَبِيحَتُهَا تُبَعْثَرُ الْقُبُورُ فَيَخْرُجُ مَنْ فِيهَا، قَالَ: وَبَاتَ حُمَمَةُ عِنْدَ هَرِمٍ فَبَاتَ لَيْلَتَهُ يَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ، فَسَأَلَهُ حِينَ أَصْبَحَ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ لَيْلَةً صَبِيحَتُهَا تَنَاثَرُ نُجُومُ السَّمَاءِ فَأَبْكَانِي ذَلِكَ ... ) .

تابع البقية: ...

ـ [أبو المظَفَّر السِّنَّاري] ــــــــ [30 - Aug-2010, مساء 11:26] ـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت