صار همِّي إرضاء خالقي، إن الجنة هي الحلم الكبير، والأمل الحقيقي الذي ينبغي أن يسعى إليه كلُّ مؤمن بوجود خالقه، وإلا فلا معنى لإيمانه، هجرتُ لذَّاتي وشهواتي وعاداتي السيئة، لقد ولدتُ من جديد وابتدأتُ عُمرًا آخر، عرفت لذةَ الصلاة والخشوع فيها، وسعادة قيام الليل ومناجاة خالقي في وقت السَّحر، عشتُ مع القرآن بقلبي وعقلي، فأحسست بنعيم الحياة ولذة العيش مع كلِّ ما كان يصيبني من متاعب وآلام، هذه هي حياتي الحقَّة.
من هنا فقط ينبغي أن يُبتدأ حساب سنوات عُمري، نسيت أحلامي القديمة تقريبًا، أظنُّها كانت أحلامًا أرضية رخيصة، قوامها أن أصبحَ مشهورًا يُشار إليه بالبَنان في وسائل الإعلام ودنيا الثقافة، ومثل هذه النية كيف تنفع صاحبها يوم القيامة؟! وكيف يكون له من الثواب الأخروي نصيب وهو لم يرد إلا الشهرة والسمعة؟!
لكن همَّتي التوَّاقة لم تستجب للسكون والهدوء أبدًا، أرادتْ أن تكسوَ أحلامي الماضية لباسًا شرعيًّا، فإذا بها تقول لي: لابدَّ أن تترك في الأمة أثرًا يبقى بعدك، لا بدَّ أن تقف حَجَر عثرة في وجه الملحدين والعلمانيين، لا بدَّ أن أخلف من الكتب ما تنتفع به الأجيال القادمة، أن يكون لي دور في قضايا الأمة، لابدَّ أن أكون من العلماء.
عكفتُ على القراءة الشرعية فيما لدي من وقت فراغ بعد وقت وظيفتي، وشرعت في تصنيف بعض الكتب، لكني دومًا كنت بين أهل العلوم الشرعية مجرد هاوٍ ولست بالمتقِن المحترف، لم تصبح كتبي بالكتب المؤثِّرة، وفاتتني الأدوار الحيوية في الأمة، فإنها لا تكون إلا للعلماء المبرزين أو أصحاب المناصب العلمية، ولست من هؤلاء ولا أولئك، قادني الحنين إلى الأدب إلى الرجوع لممارسة كتاباتي الأدبية، لكن قد فاتني القطار فيها، كما فاتني قطار العلم الشرعي، وها هي سنوات عُمري تبخَّرت أمام عينيَّ دون أن أصل إلى شيءٍ مما كنت أصبو إليه.
فتح المريض عينيه، فإذا بالطبيب يحدِّق فيه باستغراب شديد.
عفوًا عفوًا يا سيدي! يبدو أنني سرحت بعيدًا.
كنت تسألني عن عُمري، هاك هويتي، فاكتب السن منها!
قصة بقلم أخيكم كانت قد نشرتها الألوكة على هذا الرابط