فهرس الكتاب

الصفحة 27054 من 27809

لا يمكن أن يكتب صفحتين؛ لأنه ما حفظه، هذا وهو لا يزال قريب عهد بهذا البحث، فكيف إذا كان بعد مدة. ولو سألت شخصًا تخرج الآن من الشريعة، بعد خمس سنوات، وقلت له: أعطني أسماء بحثك. لأخطأ في اثنين، مع أنه جلس شهرًا وهو يبحث، نغش أنفسنا إن ظننا أن الذاكرة تستطيع أن تستوعب العلوم، فضلًا عن علم واحد، فضلًا عن مسألة واحدة، فلا تعتقد أنك ستنال العلم بدون حفظ المتون، هذا لا يمكن، فاختصر على نفسك الطريق احفظ في كل علم متنًا أو متنين أو ثلاثة، حتى يثبت هذا العلم وترد كل فائدة إلى أصلها - والذاكرة طبيعتها إن لم ترتب تتشتت - إذا حفظت في علم العقيدة متنًا أو متنين وضبطته وفهمته، ثم جاء من الغد، واستفدت فائدة عقدية، فالذاكرة بطبعها تذهب بهذه المسألة المستفادة إلى أقرب مكان لهذا المتن، فتستقر في عقلك، وأنا أشبه دائمًا هذا الكلام بالبنيان تضع لك قاعدة تبني عليها ما تشاء، لكن إذا لم يكن هناك قاعدة تشتتت هذه الفائدة وذهبت، ثم تقول أذكر أنني قرأتها وأذكر أنني كتبتها وأذكر أنني أخذتها، ثم هذا الكلام لا يفيد ولا يشفي غليلًا، لكن إذا كان الإنسان عنده قاعدة ثبتت في مكانها، ولذلك انظر لشخص متفنن يهتم بحفظ أرقام السيارات أو أرقام الهواتف الجوالة يحفظها من مرة واحدة، هذا ليس زيادة في عقله وذكائه، أبدًا، وإنما لوجود طريقة ترتيب، ولهذا تجد أهل العلم من قرأ المدونة للإمام مالك خمسين مرة من أجل أن يحفظها، تجد بعض أهل العلم قرؤوا الرسالة للإمام الشافعي أكثر من مئة مرة، هل لعدم وجود غيرها؟ لا. بل لأنهم علموا أن هذا أصل وما عداه فرع.

ولهذا قال لنا شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى كلمة عالقة في ذهني عندما قيل له: إن هناك من يقول إن العلم هو الفهم والبحث، وليس العلم هو الحفظ، قال الشيخ رحمه الله تعالى: هذا الكلام ليس بصحيح، ونحن الآن بلغنا ما بلغنا - وهذه عبارته - وما معنا إلا ما حفظنا: زاد المستقنع بلوغ المرام وأخذ يذكر المتون التي حفظها. ولهذا انظر في الفتوى تجد الفتوى عند شيوخنا منضبطة لأنهم سلكوا الطريق الذي عليه في العهد الأول بخلاف غيرهم لماذا؟ لأنه ما أخذ العلم على أصوله، وهو حفظ المتون إذا سمعت مسألة في العقيدة وأنت ما تحفظ شيئًا كيف تردها إلى أصلها هذا لا يمكن، فعلم العقائد الآن تجلس مع شخص ليس عنده شيء؛ ما حفظ شيئًا، وتقول له: أعطني مسائل في العقيدة. ما عنده شيء، وكلما سمع مسألة تذكر منها شيئا لكنه إذا كان قد حفظ العقيدة الطحاوية أو حفظ العقيدة السفارينية أو حفظ منظومة الحكمي أو حفظ كتاب التوحيد أو حفظ الأصول الثلاثة أو حفظ العقيدة الواسطية كل مسألة ترد عليه سيجد لها مكانا يناسبها، والمتون فيها علم غزير، عندما تحفظ قول الطحاوي رحمه الله تعالى: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام، ... إلخ. العبارات هذه لو دققت في معناها لوجدت أنها تشير إلى فرقة المعتزلة وتشير إلى فرقة الأشاعرة لم يزل بصفاته قديمًا قبل خلقه .. ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، له معنى الخالق ولا مخلوق، هذي معاني كلامية عجيبة وقوية وكبيرة جدًا، السامع يقول هذه لا فائدة منها، أو معروفة، لا، تشير إلى ألغاز عظيمة وكبيرة جدًا لكن متى تعرفها؟ عندما تضبط هذا المتن، ما تكون مشتتًا، عندما تسمع المسألة، ولا تعرف عقيدة أهل السنة والجماعة في صفات الله جل وعلا هل هي قديمة، وقول المعتزلة ماذا وقول الأشاعرة ما هو؟ بهذه المتون تستطيع، وبغيرها لن تستطيع أبدًا، لا تقول: أنا أقرأ وأفهم المتن ويكفي، لن تستطيع أن تستوعب المتن حتى تحفظه، عندما تقرأ في باب زيادة الإيمان ونقصه، كيف ترتب المعلومات؟ لما أقول لك تكلم عن عقيدة أهل السنة والجماعة، باب الإيمان هل هو يزيد و ينقص؟ إذا لم تكن حافظًا للمتن فستجد أنك مشتت .. لكن تقرأ:

إيماننا يكون بالطاعات ... ونقصه يكون بالزلات

وأهله فيه على تفاضل ... هل أنت كالأملاك أم كالرسل

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت