وهذا الحكيم الترمذي لم يكن من أهل الحديث ولا رواية له،ولا [علم له بطرقه وصناعته] ،وإنما كان فيه الكلام على إشارات الصوفية والطرائق ودعوى الكشف عن الأمور الغامضة والحقائق حتى خرج في ذلك عن قاعدة الفقهاء واستحق الطعن عليه بذلك والإزراء وطعن على أئمة الفقهاء والصوفية وأخرجوه بذلك عن السيرة المرضية، وقالوا إنه أدخل في علم الشريعة ما فارق به الجماعة، وملأ كتبه الفظيعة بالأحاديث الموضوعة، وحشاها بالأخبار التي ليست بمروية ولا مسموعة، وعلل فيها جميع الأمور الشرعية التي لا يعقل معناها بعلل ما أضعفها وما أوهاها.
قلت-ابن حجر-: ولعمري لقد بالغ بن العديم في ذلك، ولولا أن كلامه يتضمن النقل عن الأئمة انهم طعنوا فيه لما ذكرته، ولم أقف لهذا الرجل مع جلالته على ترجمة شافية، والله المستعان )) .
قلت: والذي يبدو لي أنّ ابن العديم -رحمه الله-لم يبالغ فيما قاله البتة؛ فمن نظر في كتابه"نوادر الأصول"رأى صدق كلام ابن العديم وبان له زيغ الترمذي الحكيم عن السنة، وبيان هذا يحتاج لبسط ليس هاهنا مكانه،والله المستعان!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- كما في"مجموع الفتاوى" (2/ 222) :
(( منها أن دعوى المدعي وجود خاتم الأولياء على ما ادعوه باطل لا أصل له. ولم يذكر هذا أحد من المعروفين قبل هؤلاء إلا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب"ختم الولاية"وقد ذكر في هذا الكتاب ما هو خطأ وغلط مخالف للكتاب والسنة والإجماع.
وهو - رحمه الله تعالى- وإن كان فيه فضل ومعرفة وله من الكلام الحسن المقبول والحقائق النافعة أشياء محمودة - ففي كلامه من الخطأ: ما يجب رده ومن أشنعها ما ذكره في كتاب"ختم الولاية"مثل دعواه فيه أنه يكون في المتأخرين من درجته عند الله أعظم من درجة أبي بكر وعمر وغيرهما. ثم إنه تناقض في موضع آخر ; لما حكى عن بعض الناس أن الولي يكون منفردا عن الناس فأبطل ذلك واحتج بأبي بكر وعمر وقال: يلزم هذا أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر وأبطل ذلك )) .
2 -عمرو بن أبي عمرو: لم أعرفه ولم يتبيّن لي من هو!
وأخشى أن يكون أحد الوضَّاعين المتروكين؛كـ"عمرو بن شمر"انظر:"لسان الميزان"لابن حجر (4/ 366و372) .
3 -أبو همّام الدّلال: هو محمد بن محبب بن إسحاق القرشي، البصري (صاحب الرقيق) ، ثقة،توفي سنة 221هـ كما في"التقريب"لابن حجر (ص839) ،والتهذيب" (9/ 427) ."
4 -إبراهيم بن طهمان:هو إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني أبو سعيد الهروي (ولد بهراة و سكن نيسابور و قدم بغداد و حدث بها ثم سكن مكة فمات بها) .
قال الذهبي: (( من أئمة الإسلام و فيه إرجاء، وثقه أحمد و أبو حاتم ) ).
و قال ابن حجر: (( ثقة يغرب و تكلم فيه للإرجاء و يقال: رجع عنه ) ).
توفي سنة 168 هـ بـ مكة.
انظر:"الكاشف" (1/ 214) ،و"تقريب التهذيب" (ص109) ،و"تهذيب التهذيب" (1/ 129) .
5 -عاصم بن أبي النّجود: هو عاصم بن بهدلة و هو ابن أبى النجود، الأسدي مولاهم، الكوفي، أبو بكر المقريء.
قال الذهبي: (( وُثِقَ، و قال الدارقطني: في حفظه شيء ) ).
وقال ابن حجر: (( صدوق له أوهام، حجة في القراءة ) ).توفي سنة 128هـ.
انظر:"الكاشف" (1/ 518) ،و"تقريب التهذيب" (ص471) ،و"تهذيب التهذيب" (5/ 35) .
6 -زِرِ بن حُبيش: هو زِر بن حُبيش بن حباشة بن أوس بن بلال، و قيل: هلال بن سعد بن نصر بن غاضرة، الأسدي الكوفي، أبو مريم، و يقال: أبو مطرف.
قال ابن حجر: (( ثقة جليل، مخضرم ) )،توفي سنة82هـ وقيل غير ذلك.
انظر:"تقريب التهذيب" (ص336) ،و"تهذيب التهذيب" (3/ 277) .
[الحكم على الحديث] :
حديث باطل منكر!
فالإسناد مداره على الترمذي الحكيم وهو متهم بالزندقة-كما تقدم- وكتابه من مظان الأحاديث الواهية والموضوعة؛ كيف وقد تفرّد بهذا الحديث!!
ولاريب أن الحديث الذي يتفرّد به الترمذي الحكيم في"نوادر الأصول":ضعيف،يستغنى بالعزو إليه عن بيان ضعفه.
قال السيوطي -رحمه الله-في مقدمة"جمع الجوامع"و"كنز العمال" (1/ 10) :
(( .. وللعقيلي في الضعفاء(عق) ، ولابن عدي في الكامل (عد) ، وللخطيب (خط) فإن كان في تاريخه أطلقت وإلا بينته، ولابن عساكر (كر) ،وكل ماعُزِيَ لهؤلاء الأربعة، وللحكيم الترمذي في"نوادر الأصول"، أو للحاكم في"تاريخه"، أو لابن الجارود في"تاريخه"، أو للديلمي في"مسند الفردوس"فهو ضعيف فيستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه )).
وقال ابن القيم-رحمه الله-في"تحفة الودود" (ص203) :
(( وقد قال أبو القاسم عمر بن أبي الحسن بن هبة الله بن أبي جرادة في كتاب صنفه في ختان الرسول -صلى الله عليه وسلم - يرد به على محمد بن طلحة في تصنيف صنفه وقرر فيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولد مختونًا:
وهذا محمد الترمذي الحكيم:لم يكن من أهل الحديث،ولا علم له بطرقه وصناعته،وإنما كان فيه الكلام على إشارات الصوفية والطرائق ودعوى الكشف على الأمور الغامضة والحقائق،حتى خرج في الكلام على ذلك عن قاعدة الفقهاء واستحق الطعن عليه بذلك والإزراء،وطعن عليه أئمة الفقهاء والصوفية،وأخرجوه بذلك عن السيرة المرضية،وقالوا: إنه أدخل في علم الشريعة ما فارق به الجماعة،فاستوجب بذلك القدح والشناعة، وملأ كتبه بالأحاديث الموضوعة،وحشاها بالأخبار التي ليست بمروية ولا مسموعة،وعلل فيها خفي الأمور الشرعية،التي لا يعقل معناها بعلل ما أضعفها وما أوهاها )) .
وقال الشيخ محمد الحوت-رحمه الله- في"أسنى المطالب" (ص370) :
(( وكذلك كتب الترمذي الحكيم فيها جملة من الموضوع فلا يعتمد على ما انفرد به،قال ابن أبي جمرة وابن القيم: إن الترمذي الحكيم شحن كتبه في الموضوع. ) ).
وفي الإسناد -أيضًا- عمرو بن أبي عمرو لم أعرفه ولم يتبيّن لي من هو!
ومتن الحديث فيه نكارة بيّنة.
والله أعلم وهو الموفق والمعين.
(يُتْبَعُ)