فهرس الكتاب

الصفحة 3021 من 27809

أما الأولى؛ فالبخاري لم يذكر في روايته عن قتيبة تلك الزيادة؛ خلافًا لمسلم على ظاهر روايته، ولم أجد - فيما وقفت عليه الآن من الروايات - متابعًا لأي منهما؛ إلا أنه مما لا شك فيه أن البخاري مقدم في حفظه وإتقانه على مسلم، لا سيما وأن رواية هذا ليست صريحة في المخالفة؛ لاحتمال أن تكون الزيادة ليحيى ابن أيوب وحده دون قتيبة الذي قرنه مسلم به؛ لأته مشارك له في رواية أصل الحديث لا في الزيادة! هذا محتمل. والله أعلم.

وأما الثانية؛ فلكل من قتيبة ويحيى بن أيوب متابع:

أما قتيبة؛ فتبعه علي بن حجر: عند النسائي (1/ 297) ، على خلاف عليه يأتي.

لكن المتابعين ليحيى أكثر؛ فتابعه يحيى بن حسان: عند الدارمي (1/ 370 - 371) ، وعلي بن حجر أيضًا: عند ابن خزيمة في"صحيحه" (306) ، وكذا ابن منده - خلافًا لرواية النسائي -، وداود بن رشيد: عند البيهقي (2/ 446) ؛ لكن ذكر المحقق أن في نسخة:"والله"بدل:"وأبيه".

وعلى كل حال؛فرواية يحيى - حتى الآن - أرجح من رواية قتيبة؛ لاقترانها بمتابع قوي لم يختلف عليه، وهو يحيى بن حسان - وهو التنيسي -؛ وهو ثقة من رجال الشيخين؛ بخلاف متابع قتيبة - وهو علي بن حجر -؛ فقد اختلف عليه كما رأيت.

وأما الثالثة؛ فقد تبين مما سبق أن مدار الحديث على أبي سهيل، وأن رواه عنه مالك وإسماعيل، وأنهما اختلفا عليه في زيادة:"وأبيه"؛ فأثبتها إسماعيل، ولم يذكرها مالك. فيرد حينئذ - في سبيل التوفيق بينهما - قاعدتان مشهورتان:

إحداهما: زيادة الثقة مقبولة.

والأخرى: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه مردودة.

فعلى أيهما ينبغي الاعتماد والعمل هنا؟!

الذي تحرر عندي - من علم المصطلح، ومن تطبيقهم له على مفردات الأحاديث - أنه لا اختلاف بين القاعدتين؛ فإن الأولى محمولة على ما إذا تساويا في الثقة والضبط. وأما إذا اختلفا في ذلك؛ فالاعتماد على الأوثق والأحفظ.

وبذلك تلتقي هذه القاعدة مع القاعدة الأخرى ولا تختلفان أبدًا، ويسمى حديث الأوثق حينذاك: محفوظًا، ومخالفه: شاذًا.

وهذا هو المعتمد في تعريف (الشاذ) بحسب الاصطلاح؛ كما قال الحافظ.

إذا عرفت هذا؛ فقد تمهد لدينا إمكانية ترجيح رواية مالك على رواية إسماعيل بمرجحات ثلاثة:

الأول: أن مالكًا أوثق من إسماعيل؛ فإن هذا - وإن كان ثقة -؛ فمالك أقوى منه في ذلك وأحفظ. ويكفي في الدلالة على ذلك أن الإمام البخاري سئل عن أصح الأسانيد؟ فقال:

مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال عبدالله بن أحمد:

قلت لأبي: من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء.

الثاني: أن مالكًا لم يختلف الرواة عليه في ذلك؛ خلافًا لإسماعيل؛ فمنهم من رواه عنه مثل رواية مالك، كما سبق.

الثالث: أنني وجدت لروايته شاهدًا بل شواهد؛ خلافًا لرواية إسماعيل.

فلا بأس من أن أسوق ما عرفت منها:

الأول: عن أنس؛ وله طريقان:

الأولى: عن قتادة عنه قال:

سأل رجل رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كم افترض الله عز وجل على عباده من الصلوات؟ قال:

"افترض الله على عباده صلوات خمسًا". قال: يا رسول الله! قبلهن أو بعدهن شيء؟ قال:

"افترض الله على عباده صلوات خمسًا". فحلف الرجل لا يزيد عليه شيئًا، ولا ينقص منه شيئًا. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:

"إن صدق الرجل؛ ليدخلن الجنة".

أخرجه النسائي (1/ 80) ، وابن حبان (1444) ، وأبو يعلى في"مسنده" (2/ 270) من طريق نوح بن قيس عن خالد بن قيس عن قتادة عنه.

قلت: وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وقد مضى في"الصحيحة"برقم (2794) .

الثانية: عن ثابت عنه به مطولًا؛ وفيه سؤال الرجل عن الزكاة أيضًا، وعن صوم رمضان والحج، وفيه قوله:

ثم أولى، قال: والذي بعثك بالحق! لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال النبي صلي الله عليه وسلم:

"لئن صدق؛ ليدخلن الجنة".

أخرجه مسلم (1/ 32) ، وأبو عوانة (1/ 2 - 3) ، والترمذي (619) - وحسنه -، والنسائي (1/ 297) ، والدارمي (1/ 164) ، والبغوي في"شرح السنة"رقم (4،5) ، وابن أبي شيبة في"الإيمان" (رقم 5 - بتحقيقي) ، وأحمد (3/ 143،193) ، ابن منده في"الإيمان" (ق 16/ 2) من طرق عن سليمان بن المغيرة عنه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت