وكل ما استدل به على تساهل العجلي قوله:"إن كثيرًا ممن وثقهم حَكَم غيرُه من النقاد عليهم بالجهالة". ومعروف أن الجهالة ولو كثرت فلا تقدح في حُكْم مَن عَرف، وللإمام النووي في كتاب"تهذيب الأسماء واللغات" (2/ 267) ترجمة"أبو مرزوق التجيبي"جوابٌ عن ذلك خاص بتوثيق العجلي، ولا أدري إن كان الشيخ المعلمي وقف عليه أم لا؟ ولم أقف على مَن نبَّه على جواب النووي هذا مِن قَبْل، ثم إني وجدتُ بعض مَن وافق الشيخ المعلمي حاول تأييده بأمور:
الأول: قولهم:"إن كثيرًا ممن وثقهم العجلي قد ضعفهم غيرُه من النقاد". وهذا كما هو معلوم ليس أمرًا خاصًّا بالعجلي؛ بل أمثاله من النقاد حصل معه مثل هذا بما يغني عن ذكر الأمثلة.
الأمر الثاني: قولهم:"إن العجلي وثق أناسًا لم يرهم ولم يُعاصرْهم". وهذا القول كسابقه مردود؛ لأن كثيرًا من النقّاد غيره فعل هذا، مستندًا إلى ما جاء عن غيره من النقاد؛ كما يصنع الإمام البخاري مثلًا، أو مستندًا إلى النظر في أحاديث الراوي، وبيان حاله على ضوئها ومثل هذا يصنع البخاري أيضًا وغيره.
والأمر الثالث: مقارنة مجموعة فقط من توثيق العجلي بأحكام الحافظ ابن حجر في"التقريب". وهذا أيضًا مردود لأمور منها: أن المقارنة حصلت في أمثلة جزئية غير مستقصية؛ وبالتالي لا يصلح استنتاج طابع عام منها.
ومنها: أن الحافظ نفسه قد خالف ما في"التقريب"في مؤلفاته الأخرى كما هو معلوم. والقول بأن"التقريب"متأخر، هو باعتبار أصل الكتاب، وليس باعتبار جميع أحكامه.
ومنها: أن الأخ الدكتور علي الصياح - جزاه الله خيرًا - أوقفني على نص لعلي بن المديني، يقرر فيه أن الناقد إنما يُقاس بأقرانه وأهل زمانه من النقاد؛ وبالتالي تكون مقارنة توثيق العجلي بأحكام"التقريب"أو غيره ممن ليس من أقران العجلي ولا من أهل زمانه، مقارنةً غير متوازنة.
ومنها: أن أحد معاصري العجلي وعارفيه، وهو عباس الدوري، يذكر: أنهم كانوا يعدون العجلي مثل الإمام أحمد وابن معين، وأن أحمد وابن معين كانا يأخذان عنه.
فهل مثل هذا يُقبل إطلاق القول بتساهله في التوثيق عمومًا؟! وقول الدوري هذا يؤكد قول ابن المديني السابق أيضًا.
هذا، ولا يفوتني التنبيه على أن هناك فرقًا بين الحُكْم العام بالتساهل أو التشدد على أحكام الناقد، وبين الحكم بالتساهل أو التشدد الجزئي، فهذا الأخير يوجد في أحكام كثير من النقاد كما هو معلوم لأهل الاطلاع والممارسة، والله الموفق.
2 سؤال من الأخ"القرشي"عن كتاب"تحرير التقريب"وهل لم يحرر الحافظ ابن حجر كتاب"التقريب"حتى يُحرَّر من غيره؟
الجواب: كتاب"تحرير التقريب"فيه أحكام كثيرة خالف فيها أحكام الحافظ في"التقريب"؛ ولكن كثيرًا من تلك المخالفات ليس لها مستند علمي، وهناك تراجم متعددة تُعَدُّ مخالفةُ الحافظ فيها في محلها، ويعد حكم كتاب"التحرير"على الراوي مقبولًا.
وقد صدر للأخ الدكتور ماهر الفحل كتابٌ، نشرتْه دارُ الميمان للطبع والنشر بالرياض، ويقع في مجلد بعنوان"كشف الإيهام لما تضمنه تحرير التقريب من الأوهام". وهذا دليل تفصيلي على مدى سلامة ما في"تحرير التقريب"، فالتحرير 4 أجزاء و"كشف الإيهام"جزء واحد، يعادل من حيث الكم ربع كتاب"التحرير"، وقد وقفت على الكتابين، لكن حاليًّا لم تكتمل لدي نتيجة عامة لكل منهما.
لكن النتيجة الأهمّ أن الكتابين يُستفاد من كلّ منهما، بحسب ما تؤيده الدلائل والقواعد النقدية من أحكامهما.
أما مقولة:"هل الحافظ ابن حجر لم يحرر التقريب؟". فمن يقارن"تهذيب التهذيب"بما في"التقريب"من أحكام إجمالية على الرواة، فسيجد أن كثيرًا من التراجم لا يتوافق فيها حكم"التقريب"مع مجموع ما ذكره الحافظ نفسه في بيان حال الراوي في"التهذيب"، وبالتالي تكون خلاصة حال مثل هؤلاء في"التقريب"، تحتاج إلى تعديل وتحرير ممن له الخبرة الكافية، مع التزام الإنصاف والاعتدال، ومثل هؤلاء قليل، والله الموفق.