المتأخرون عندهم سبر للمتون، وعندهم نظرة دقيقة للمتن، لكن المتأخر - نظرا - لقلة حصيلته العلمية - إذا سمع حديثا ظن أنه يخالف أصلا، فإذا به يرده، ثم تفحص كلام المتأخرين فلم يجد أحدا رده، إنما اتفقوا على تصحيحه، قال: إذن هؤلاء لا يلتفتون إلى النكارة في المتن، مع أنه لو اتسعت حصيلته وكثر علمه لوجد لهذا المتن شاهدا - لقلة علمه - غاب عنه، فظن أن هذا الحديث يخالف الأصول، ولهذا أمثلة كثيرة .. لا يتسع المقام لضرب الأمثلة، ولكن أقول: قلة العلم سبب في دعوى النكارة والمخالفة، ولذلك ابن خزيمة محمد بن إسحاق - رحمه الله -عندما يقول"اتوني بأي حديث يعارض آخر، فسأجمع بينهما"، هذا نتيجة ماذا؟ أنه مغامر؟ لا! نتيجة أن عنده من العلم والحصيلة الواسعة - حتى وصفه تلميذه ابن حبان وشبّهه برجل قام على رأس جبل وجمعت السنة بين يديه في شعب، فهو يأخذ منها ما يريد وما يشتهي، لأنه استحضر السنة، وجمع أطرافها في الغالب، فكلما كثرت حصيلة علم الرجل كلما قلت دعوى النكارة، لماذا؟ لأنه يجد لهذا المتن مخارج ومحامل يحمله عليه، بخلاف الإنسان الذي ما معه إلا عدد يسير من العلم، سمع هذا الحديث .. خالف ما يعرف فادعى فيه النكارة، فلما التفت .. هل أحد سبقه بالنكارة؟ لا! المتأخرون قالوا فيه بالقبول وصححوه: إذن المتأخرون لا يلتفتون إلى المتن! وأقول: الحقيقة أن القصور في الإلمام بالمتون هو الذي فتح هذا الباب، أقول هذا وأنا أستحضر تماما بعض المواضع التي حكم فيها بعض المتقدمين بالنكارة وصححها المتأخرون أو بعضهم، وهنا نقطة لا بد أن تبين، لو قال أبو حاتم في حديث"هذا الحديث منكر"فجاء الحافظ ابن حجر أو من بعده فصحح هذا الحديث .. قالوا: إذن ابن حجر أو هذا المصحح لا يلتفت إلى النكارة في المتن، أو لا يأبه إلى مذهب المتقدمين ولا يبالي به، أقول: لا! متى نقول هذا القول؟ أقول: إذا أمكن أن تجمع بين كلام المتقدم وكلام المتأخر فلا تعارض ولا تناقض، فمن الممكن عندما قال أبو حاتم"هذا حديث منكر"أي: من هذا الوجه، أي: بهذا السند، والذي جاء بعده، عندما قال"حديث صحيح"أي: بمجموع طرقه، ففي هذه الحالة لا مخالفة، وقد وجد ذلك بكثرة، كم من حديث يطلق أبو حاتم فيه القول بأنه منكر فيقول ابنه"يعني: بهذا السند"، وكم من حديث يطلق فيه أبو حاتم في موضع من علله بأنه منكر وفي موضع آخر يقيد، ويقول بهذا السند، ونحن نعلم في كتب العلل أنهم يطلقون النكارة على أحاديث أصلها صحيح، وهذا موجود بكثرة، وقد يقول"هذا غير محفوظ"والحديث في الصحيحين، وهو يعني"غير محفوظ من حديث فلان، أو من رواية فلان عن فلان، وإن كان محفوظا من غير هذا الوجه".. في هذه المسائل ينبغي التوسع والاستقراء التام في معرفة كلام أهل العلم، حتى لا نحملهم ما لم يقولوا، وليس ذلك فقط .. نرجع ونتهم الأئمة الآخرين الذين منّ الله عليهم بالعلم والفهم، فالمسألة الأولى .. مسألة النظر في المتون والعلل المتنية، وأن المتأخرين - ولله الحمد - لم يغب عنهم هذا الأمر، وباشروه وعملوا به، ولكن عند المعاصر، ربما أنه - لقلة علمه وعدم اتساع حصيلته - لم ير ما رآه غيره .. فإذا أمكن الجمع بين كلام المتقدم والمتأخر فلا مناص عن ذلك، أما إذا تعارض كلامهما ولا يمكن تأويل هذا الموضع .. إما أنك أن تأخذ بكلام المتقدم أو بكلام المتأخر .. فأنا عن نفسي، وأنصح به إخواني: أننا لا نعدل عن كلام المتقدم ولا نرضى به بديلا. إذا كان هناك تناقض معناه: إن أخذت بكلام المتأخر تركت كلام المتقدم، فأقول: إن المتقدمين وقفوا على أصول الرواة، ووقفوا على رواية مشايخهم وزملائهم وتلامذتهم، وعرفوا النكارة، وعرفوا الأمر أكثر من المتأخرين .. كما تعرفون، قال ابن حبان:"دخلت حمص، فكان جل همي أن اعرف حديث بقية، فتتبعت حديثه عاليا ونازلا". من في إمكانه أن يتتبع اليوم حديث الرواة عاليا ونازلا؟ ليس باستطاعتنا هذا الأمر، فإذا أمكن الجمع فهو الواجب، وإلا فلا أظن رجلا قد تشبع بهذا العلم وألفت نفسه هذا العلم يترك كلام المتقدم، لأن المتقدم بعرف ما لا يعرفه المتأخر .. هذه المسألة الأولى التي خالف فيها المتأخرون - عند من ورد السؤال عنه - المتقدمين.
المسألة الثانية
(يُتْبَعُ)