فهرس الكتاب

الصفحة 6127 من 27809

ـ إن كان عن إجماع فالعبرة بالإجماع لا بمجرد الحديث المذكور , ولا بد للإجماع من مستند صحيح علمه من علمه وجهله من جهله , والإجماع على العمل به تصحيح لمعناه دون سنده.

ـ وإن كان تلقيهم له بالقبول عن غير إجماع فليس في هذا حجة على تصحيحه لا من حيث السند ولا من حيث المعنى.

والله من وراء القصد.

ـ [أبو عبد الله الخضير] ــــــــ [08 - Feb-2009, صباحًا 11:06] ـ

أورد الدكتور ماهر الفحل في كتابه: أثر علل الحديث في الإختلاف بين الفقهاء ما نصه الأتي فيما يتكلم عن أقوال العلماء عن الحديث الضعيف الذي تلقته العلماء بالقبول:

أما تلقي العلماء لحديث بالقبول فهو من الأمور التي تزول به العلة و تخرج الحديث من حيز الرد الى العمل بمقتضاه، بل ذهب بعض العلماء الى أن له حكم الصحة؛ قال الحافظ ابن حجر: (( و جزم القاضي أبو نصر عبد الوهاب المالكي في كتاب الملخص بالصحة فيما اذا تلقوه بالقبول ) ).

و قال ابن عبد البر في الاستذكار -لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر: (( هو الطهور ماؤه ) ): و أهل الحديث لا يصححون مثل اسناده لكن الحديث عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول).

و في التمهيد (روى جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم: الدينار أربع و عشرون قيراطا) .

قال (( و في قبول جماعة من العلماء و اجماع الناس على معناه غنى عن اسناده ) )

و قال الزركشي: (( ان الحديث الضعيف اذا تلقته الأمة بالقبول عمل به على الصحيح حتى أنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع ) )

و عند الحنفية يعدون الضعيف اذا تلقاه العلماء بالقبول في حيز المتواتر كما نص عليه الجصاص106 فقد قال عند الكلام على حديث: (( طلاق الأمة تطليقتان و عدتها حيضتان ) )107: (( و قد تقدم سنده و قد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة و ان كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز المتواتر لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواقع ) ).

و الذي يبدو لي أن الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من أشار الى تقوية الضعيف بتلقي العلماء فقد قال: (( فاستدللنا بما و صفت من نقل عامة أهل المغازي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن (( لا وصية لوارث ) )على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين و الزوجة مع الخبر المنقطع و اجماع العامة على القول به )) .

ثم ان الامام الشافعي قد أشار الى ذلك عند كلامه عن شروط قبول المرسل فقال: (( و كذلك ان وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عنهم عن النبي صلى الله عليه و سلم ) ).

و ربما التمس الترمذي ذلك من كلام الشافعي فأخذ يقول في كثير من الأحاديث الضعيفة

الاسناد من حيث الصناعة الحديثية (( و عليه العمل عند أهل العلم ) )مشيرا في ذلك -و الله أعلم- الى تقوية الحديث عند أهل العلم لأن عملهم بمقتضاه يدل على اشتهار أصله عندهم. و قد يلتمس هذا من صنيع البخاري رحمه الله فقد قال في كتاب الوصايا من صحيحه: (( و يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ) ). و قد علق على ذلك الحافظ ابن حجر قائلا: (( و كأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، و الا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج ) ).

و قال ابن الوزير: (( و قد احتج العلماء على صحة أحاديث بتلقي الأمة لها بالقبول ) )و قال الحافظ ابن حجر: (من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فانه يقبل حتى يجب العمل به، و قد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول، و من أمثلته قول الشافعي رضي الله عنه: و ما قلت من أنه اذا غير طعم الماء و ريحه و لونه يروى عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، و لكنه قول العامة لا أعلم بينهم خلافا. و قال في حديث:(( لا وصية لوارث ) )لا يثبته أهل العلم بالحديث و لكن العامة تلقته بالقبول و عملوا به حتى جعلوه ناسخا لآية الوصية )) .

أقول:

فالشافعي رحمه الله تعالى يشير بذلك الى حديث أبي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه و سلم قال: (( الماء طهور لا ينجسه شيء ) ). أخرجه أحمد، و أبو داود،و الترمذي، و النسائي. و قد صححه أحمد بن حنبل و يحيى بن معين و ابن حزم.

و قد جاء هذا الحديث من طريق ضعيف عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه و سلم (( الماء لا ينجسه شيء الا ما غلب على ريحه و طعمه و لونه ) ). فزيادة قوله: (( الا ما غلب على ريحه ... الخ ) )ضعيفة لأنها من طريق رشدين بن سعد و هو رجل صالح لكن أدركته غفلة فخلط في حديثه

فالشافعي رحمه الله تعالى يشير الى هذه الزيادة، فهو قد احتج بها مع ضعفها؛ لأن الأمة تلقتها بالقبول: حيث لاخلاف بين العلماء أن الماء اذا غيرته النجاسة تنجس.

أما حديث الوصية فقد أشرت آنفا الى أنه ثابت و لم يصل للشافعي الا بطريق ضعيف.

و قال الكمال بن الهمام: (( و مما يصحح الحديث أيضا: عمل العلماء على و فقه ) ).

و قال السيوطي في التعقبات على الموضوعات - بعد أن ذكر حديث حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر ) )- أخرجه الترمذي و قال: العمل على هذا عند أهل العلم؛ فأشار بذلك الى أن الحديث أعتضد بقول أهل العلم، و قد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به و ان لم يكن له اسناد يعتمد على مثله )) .

و اكتفي بما نقلته من نصوص عن الأئمة في هذه المسألة و لكن يبدو لي من كلام الامام الشافعي رحمه الله تعالى: أنه ينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث و بين قبوله و العمل به؛ و ذلك أن التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيء و قبول الحديث شيء آخر، فاذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنه لا يسمى صحيحا و رحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال: (( لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول و لو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله ) )فقد أشار رحمه الله الى العمل و لم يتكلم عن الصحة الاصطلاحية، و من دقق النظر في كلام الشافعي السابق ذكره يجده ينحو نحو هذا الاتجاه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت