فهرس الكتاب

الصفحة 6272 من 27809

فالجواب: أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يرد عنهم في كتاب الله تعالى سوى الثناء عليهم وأنهم خير أمة أخرجت للناس على الإطلاق، وقد عاتبهم الله تعالى على بعض الذنوب لكنه قرن ذلك بالصفح عنهم ?إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ? (14) ، أما الاستدلال بالسنة وكونه دورا فالجواب أن ذلك قد ورد عن النبى (ص) بأسانيد صحيحة ومتواترة لا يرقى إليها الشك كما في حديث (( خير الناس قرنى ) ) (15) .

ثم إنه يستدل على عدالتهم بإجماع من يعتد بهم قال ابن الصلاح (16) : (( إن الأمة مجمعة علي تعديل جميع الصحابة ومن لابس الفتن منهم: فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحسانا للظن بهم ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكان الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة والله أعلم ) ) (17)

ففيه إنه قد ثبتت عدالتهم بالإجماع، وهو ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، والنووى في التقريب، وابن جماعة في المنهل الروى، وابن حجر في نخبة الفكر (18) ، وفيه أنه لا يقدح في عدالة بعضهم تلبث بالفتن وذلك لكون العدالة ليست بمعنى العصمة بل المراد منها على الحقيقة ما تطمئن به النفس إلى أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله (ص) البتة، وفيه أيضا تفسير يصلح دليلا عقليا على عدالة الصحابة وهو منقول عن إمام الحرمين فقد قال إمام الحرمين معللا حصول الإجماع على عدالتهم: (( ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، فلو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول(ص) ولما استرسلت على سائر الأعصار )) (19) .

فإن قيل قد ورد في القرآن والسنة ومن فعل الخلفاء الراشدين رد شهادة بعضهم، فالجواب: إن صح ذلك فهو لا يقدح في صحة الرواية عنهم فحكم الرواية ليس كحكم الشهادة بدليل أنه تقبل رواية الواحد ولا تقبل شهادته، على أن ما ورد في رد شهادة بعضهم إنما هو مشروط بعدم توبته وقد ثبت عنهم رضوان الله عليهم أنهم إما قد تابوا كحسان بن ثابت رضى الله عنه، أو أنهم لم يروا صحة اتهامهم بتلك التهمة حتى يجب عليهم التوبة منها كأبى بكرة رضى الله، ويحتمل أن يكون قد شبه له وهو ما ذكره المغيرة رضى الله عنه؛ فلا يأثم هو ولا المغيرة، وقد ثبتت عدالتهما باليقين فلا ينتقل عنه بالشك.

فإن قيل إن منهم منافقين بنص القرآن الكريم ومنهم من لا ترضى حالة.

فالجواب: أن المنافقين ليسوا من الصحابة فهم كفار بل شر من الكفار، أما من لا ترضى حاله فهم مستثنون من تلك الخاصية بالنص وإن شملهم الحد، يقول ابن حزم (( قد كان في المدينة في عصره عليه السلام منافقون بنص القرآن، وكان بها أيضا من لا ترضى حاله، كهيت المخنث الذي أمر عليه السلام بنفيه، والحكم الطريد، وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحبة ) ). (20)

فالصحابة رضوان الله عليهم كلهم عدول مؤتمنون على نقل الشريعة لا يتعمدون الكذب على رسول الله (ص) البتة، وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع، وقد خصهم الله تعالى بهذه الخاصية دون غيرهم لما يترتب على ذلك من استرسال الشريعة الخاتمة وعدم انحصارها في زمن النبى (ص) .

وينبنى على ذلك الأصل مسائل منها:

هل تضر الجهالة باسم الصحابى؟

ذهب فريق إلى أنه لا تضر الجهالة باسم الصحابى، وقد روى البخاري عن الحميدي قال: إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من أصحاب النبي (ص) فهو حجة وإن لم يسم ذلك الرجل، ونقل ذلك عن أحمد بن حنبل، وقال الحافظ عبد الكريم الحلبى إنه مذهب أكثر أهل العلم (21) ، وذهب آخرون إلى أن الجهالة بالصحابى مما يقدح في صحة الحديث كالحاكم فقال في صفة الحديث الصحيح: (( أن يرويه عن رسول الله(ص) صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة )). (22)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت