لا تُعرف لأبي صالح رواية لهذا الحديث إلا من طريق الأعمش. وآراء الأئمة معلومة في عنعنته، ويكاد يكون الصواب فيها هو أن تُحمَل على الاتصال بشروط: كأن تكون عن شيوخ أكثر عنهم ما لم تدلّ القرائن على عدم السماع، أو يكون شعبة وحفص ممن رووا عنه هذا الحديث بعينه، أو يرد التصريح بالسماع في إحدى طرق الحديث الأخرى .. الخ. ولذلك ترّدد الحافظ ابن حجر في أمره ما بين طبقاته ونكته.
والذي يلوح لي أن هناك انقطاعًا بين الأعمش وأبي صالح وأنه لم يسمع منه هذا الحديث، دلّ على ذلك:
(1) أنه عنعنه في جميع طرقه، ولم يرد في واحدة منها تصريحه بالسماع.
(2) أنه اضطرب في إسناده فيما رواه عنه جرير وأبو معاوية عند مسلم (2835) فقال:"عن أبي سفيان، عن جابر"وساقه بنحوٍ منه.
(3) أن متن حديثه مطابق لحديث عمارة عن أبي زرعة أو يكاد: فهو عند أحمد، الأعلى إسنادًا، هكذا:
(( أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة. ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوطون ولا يبولون ولا يتمخطون ولا يبزقون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم ستين ذراعًا ) ).
فقوله (( لا يبولون ) )وقوله (( أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم ستين ذراعًا ) )من حديث أبي زرعة. وقد أدرج قوله (( ثم هم بعد ذلك منازل ) )، وسقط منه قوله (( وأزواجهم الحور العين ) ).
وقد قمتُ باستعراض سريع لباقي روايات الحديث قدر علمي، فوجدتُ بخلاف أبي صالح أنه رواه عن أبي هريرة:
-همام بن منبه (أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم)
-الأعرج (البخاري والطبراني وأبو نعيم)
-ابن أبي عمرة (البخاري والبزار)
-ابن سيرين (أحمد ومسلم وأبو نعيم والبيهقي)
-أبو زرعة (ابن راهويه والبخاري ومسلم والبيهقي)
ووجدتُ هذه الألفاظ عينها مما تفرّد به أبو زرعة عن الآخرين. وبيان ذلك كالتالي:
-رواية همام، كما في مصنف عبد الرزاق: (( إن أول زمرة تلج في الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر لا يمتخطون ولا يبصقون ولا يتغوطون آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك. لكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن. لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيًا ) ).
-رواية الأعرج، كما عند البخاري: (( أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على إثرهم كأشد كوكب إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بيينهم ولا تباغض، لكل امرئ منهم زوجتان، كل واحدة منهما يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحسن، يسبحون الله بكرة وعشيًا. لا يسقمون، ولا يتمخطون ولا يبصقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، وقود مجامرهم الألوة - قال أبو اليمان: يعني العود - ورشحهم المسك ) ).
-رواية ابن أبي عمرة، كما عند البخاري: (( أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين، يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم ) ).
-رواية ابن سيرين، كما عند أحمد: (( إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب درى في السماء. لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم. وما في الجنة أعزب ) ).
-رواية أبي زرعة، كما عند ابن راهويه: (( أول زمرة من أمتى يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على صورة أشدّ كوكب دريّ في السماء إضاءةً. لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون. أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوّة. وأزواجهم الحور. وأخلاقهم على خَلْق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا ) ).
-رواية الأعمش، كما عند أحمد: (( أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة. ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوطون ولا يبولون ولا يتمخطون ولا يبزقون. أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم ستين ذراعًا ) ).
(4) أن الأعمش يروي عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة أحاديث كما عند أحمد ومسلم وغيرهما، فتلك قرينة منضمّة إلى تشابه متن الأعمش مع متن عمارة.
فماذا ترون أكرمكم الله؟