هذا اصطلاح جمهور الفقهاء على اختلاف مذاهبهم غالبًا، وقد يتوسع في استعمال السنة حتى تشمل فعل الخلفاء الراشدين المهديين، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"14، إلا أنها إذا أطلقت عند المحدثين تنصرف - غالبًا- إلى أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، وأفعاله وتقريراته.
والسنة بهذا المعنى أحد قسمي الوحي الإلهي الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهي القسم الثاني.
فالسنة إذًا صنو القرآن، ومنزلة من عند الله (معنى) ، ويشهد لما ذكرنا القرآن الكريم نفسه إذ يقول الله تعالى في حق نبيه عليه الصلاة والسلام: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} 15، والآية كما ترى صريحة في أن كلام الرسول وحديثه فيما يبلغ عن الله من التشريع ليس حديثاًَ عاديًا ينطق به عليه الصلاة والسلام كما يشاء، ولكنه كلام ينطق به بوحي من الله، فأمره عليه الصلاة والسلام من أمر الله سبحانه، ونهيه من نهيه، وما أحله مثل ما أحل الله، وما حرَّمَه مثل ما حرَّمه الله وهكذا.
وأما القسم الأول من قسمي الوحي فهو القرآن الكريم، وهو من عند الله لفظًا ومعنًا، لأنه كلامه الذي خاطب به نبيه محمدًا عليه الصلاة والسلام، وهو المصدر الأول للعقيدة والشريعة والحجة القاطعة.
الفرق بينهما:
الفرق بين القرآن والسنة واضح كما يظهر مما ذكرنا آنفًا من حيثية واحدة، وهي أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، متعبد بتلاوته، ولا تصح الصلاة إلاّ به، وهو من المعجزات الخالدة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أعجز بلغاء العرب وأقعدهم.
وأما السنة فهي من عند الله من حيث المعنى، وأما ألفاظها فمن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتعبد بتلاوتها، ولا تصح الصلاة بها، وليست بمعجزة ويجوز روايتها بالمعنى بشروطها.
وأما من حيث ثبوت الأحكام بها، والاستدلال بها في فروع الشريعة وأصولها فلا فرق بين القرآن والسنة من هذه الحيثية، إذا ثبتت السنة عند أهلها بالطريقة المعروفة عندهم.
وأما الأحاديث القدسية - وإن كانت من عند الله لفظًا ومعنى - على خلاف في ذلك لأنهم مختلفون في تعريف الحديث القدسي- إلا أنها مثل الأحاديث النبوية في عدم التعبد بتلاوتها، وعدم صحة الصلاة بها، وأما من حيث ثبوت الأحكام والعقائد بها فهي مثل القرآن والسنة الصحيحة على ما تقدم16.
هذا ما سنتناوله بالبحث إن شاء الله.
2 مختار الصحاح.
3 رواه مسلم في 4/ 2059 رقم 1017، وأحمد 4/ 357، 358 من حديث جرير بن عبد الله.
4 تاج العروس.
5 رواه مالك في الموطأ بلاغا 1/ 121.
6 أخرجه مالك في الموطأ 1/ 207.
7 سورة الفتح آية: 23.
8 سورة فاطر آية: 43.
9 سورة الكهف آية: 55.
10 تاج العروس.
11 المصدر السابق.
12 تهذيب الأسماء واللغات 2/ 156.
13 المصدر نفسه 2/ 156.
14 أخرجه أحمد 4/ 126، والدارمي 1/ 44، وأبو داود 5/ 14، والترمذي 5/ 44، وابن ماجه 1/ 15، 16، وابن أبي عاصم في السنة 1/ 31، والحاكم 1/ 95 - 97 في حديث طويل من حديث العرباض بن سارية، وصححه الترمذي والحاكم والذهبي والألباني.
15 سورة النجم آية: 3، 4.
16 راجع المنار المنيف في الصحيح والضعيف للإمام ابن القيم ص40 تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار السلام - القاهرة.