وقيل: إنما سمعه من مجاهد بن جبر، أو عكرمة، وقيل أيضًا: إنه سمعه من سعيد بن جبير، جزم المِزِّي والذهبي أنه بواسطة مجاهد، وجزم ابن حجر في"الأمالي المطلقة"أنه بواسطة مجاهد وسعيد بن جبير، وهي صحيحة بلا ريب عند عامة النقاد، وصححها جمع من النقاد؛ منهم:
أحمد بن حنبل، قال: (بمصر صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا) ، أسنده عنه أبو جعفر النحَّاس في"الناسخ والمنسوخ".
ومنهم النحاس تلميذ النسائي فقد قال في"الناسخ": (والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة، وهذا القول لا يوجب طعنًا؛ لأنه أخذه عن رجلين ثقتين، وهو في نفسه ثقة صدوق) .
قال أبو حاتم:"علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس مرسلٌ؛ سمعه من مجاهد، والقاسم بن محمد، وراشد بن سعد، ومحمد بن زيد".
وقد قال الطحاوي في شرح معاني الآثار: (وإن كان خبرًا منقطعًا لا يثبت مثله، غير أن قومًا من أهل العلم بالآثار يقولون: إنه صحيح، وإن علي بن أبي طلحة، وإن كان لم يكن رأى ابن عباس رضي الله عنهما، فإنما أخذ ذلك عن مجاهد وعكرمة مولى ابن عباس) .
وجزم بذلك في"بيان مشكل الآثار"، فقال: وحَمَلنا على قبول رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وإن كان لم يلقه؛ لأنها - في الحقيقة - عنه عن مجاهد وعكرمة. أ. هـ.
وحديثه صحيفةٌ وكتابٌ، وهو في نفسه فيه ضَعْف يسير، قال أحمد فيه:"له منكرات"، وهذه العبارة منه ليست بتضعيف له، وقد قالها في عدد من الثقات والحفاظ، ويقصد بها التفرد.
وضعَّف عليًا يعقوب بن سفيان، وتفرد بتضعيفه، فقد وثقه العجلي وابن حبان، وقال النسائي: لا بأس به، وقد روى له مسلم في"الصحيح"، وحديثه في التفسير صحيح، اعتمد عليه البخاري في مواضع من صحيحه، وليس له ما يُستنكر بعد النظر في حديثه إلا شيء قليل تفرد به، وقِلَّتُه تدل على صحة حديثه مع كثرة مروياته عن ابن عباس.
فإذا عُلمت الواسطة؛ فإنه لا ملجأ لإعلالها، وإن كان قد نص صالح بن محمد جَزَرَة على الانقطاع، فقد سئل عمن سمع منه عن عبد الله بن عباس قال:"لا أحد"؛ فلعل مراده أن روايته كتاب، وليست بسماع، وهذا يوافق قول أحمد السابق أنها صحيفةٌ، ثم إن من علم حجة على من لم يعلم، والواسطة علمت وهي: مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير وعكرمة مولى عبد الله بن عباس. إذًا، فرواية علي بن أبي طلحة هي من رواية مجاهد بن جبر، أومن طريق سعيد بن جبير، أو من طريق عكرمة، وتقدم الكلام عليها.
وعلي بن أبي طلحة، مُقِل بالرواية في غير التفسير، ولا يكاد يوجد له رواية في الأحكام، وجُلُّ روايته في التفسير، وهي كتاب يرويه عنه معاوية بن صالح وعنه عبدالله بن صالح، وقد يصحُّ الإسناد في موضع ولا يصح في موضع، وهذا الطريق لو جاء مثله في الأحكام عند التفرد لا يُعتمد عليه مالم يُعضد، وفي التفسير حجة، لا وجه لإعلاله، إلا ما يستنكر من حديثه، مما لا يوافق عليه، ومثل هذا يوجد عند الثقات، ومنهج النقاد في ذلك معروف.
ما يستنكر من حديث علي بن أبي طلحة
وبالسبر والنظر في تفسير علي عن ابن عباس لم أر فيه ما يستنكر إلا شيئًا قليلًا؛ من ذلك ما رواه البيهقي في كتابه"الأسماء والصفات"، وابن جرير الطبري من حديث عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الله بن عباس في الحروف المقطَّعة، قال:"هذا قَسَمٌ أقسم الله به وهي من أسماء الله".
وهذا منكرٌ لم يروِه أحدٌ غيره. وهذه من منكراته، التي تُرَد وأمثالها، وهذا ما يعنيه أحمد بقوله:"له منكرات"، مع قوله بنفاسة صحيفة علي، والرحلة إليها.
وقوعه في البدعة، وحكم الرواية عن المبتدع
ولعلي مذهب على طريقة الخوارج، ولذلك يقول أبو داود - كما في"سؤالات الآجري"- لما سأله عن علي بن أبي طلحة، قال:"إن شاء الله هو مستقيم الحديث وكان يرى السيف".
لعلَّه من هذا الوجه قد طعن فيه يعقوبُ الفسوي. وللعلم فَإِنَّ رأي العلماء في الرواية عن المبتدع إذا كان من الثقات الضابطين أنه لا يُرد حديثه، خاصة إذا كان متقدمًا.
يقول أحمد: لو تركنا الرواية عن القدرية، لتركنا أكثر أهل البصرة.
(يُتْبَعُ)