فهرس الكتاب

الصفحة 6595 من 27809

ويطول بنا الوقت لو توقفنا مع كلِّ رواية من تلك الروايات بالتمحيص والنقد، ولكنها جناية الأحاديث على القرآن والإسلام.

ولولا تلك الأحاديث لكانت علوم القرآن الكريم جهدًا عقليًا إيجابيًا نأخذ منه ونردُّ دون الكذب على الله تعالى ورسوله». انتهى النقل عن المقال.

افترى أحمد صبحي منصور هذه الفريةَ وهو يتوهّمُ أنّ أحدًا لن يُكلِّفَ نفسَهُ عناءَ التحقُّقِ من أقواله المعصومة، وآرائه المحفوظة.

ووالذي لا إله غيرُهُ لو أنّ طفلًا صغيرًا نوّر الله بصيرته بحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذا الكلام لاشتمّ منه عفونة الكذب والدجل والافتراء.

وإنّ من لديه الحظُّ اليسير من العلم والاطلاع على سِيَر علماء السُّنّة الأعلام وجهودِهم ليَجزِمُ حين يقرأ مثل هذا الكلام أنّ «وراء الأكمةِ ما وراءَها» (10) !.

فماذا وراء أكمة دعاوى أحمد صبحي منصور؟

قال السيوطي في «الإتقان» :

وأخرج الطبراني في الدعاء من طريق عباد بن يعقوب الأسدي، عن يحيى بن يعلى الأسلمي، عن ابن لهيعة، عن أبي هبيرة (( 11 ) )!!!!!!!، عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: قال لي عبد الملك بن مروان: لقد علمت ما حملك على حب أبي تراب إلا أنك أعرابي جافٍ؟

فقلت: والله لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد علمني منه علي بن أبي طالب سورتين علمهما إياه رسول الله ما علمتهما أنت ولا أبوك!:

اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك؛ إن عذابك بالكفار ملحق» (12) .

وأما الروايةُ في «كتاب الدعاء» للإمام الطبراني فهي حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عباد بن يعقوب الأسدي، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن ابن لهيعة عن عبد الله هبيرة، عن عبد الله بن زرير قال: قال لي عبد الملك بن مروان: ما حملك على حب أبي تراب إلا أنك أعرابي جاف.

فقلت: والله لقد قرأت القرآن قبل أن يجتمع أبويك (13) لقد علمني سورتين علمهما إياه رسول الله ما علمتهما أنت ولا أبوك:

اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد، إن عذابك بالكفار ملحق، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين، الذين يصدون عن سبيلك، ويجحدون آياتك، ويكذبون رسلك، ويتعدَّون حدودك، ويدعون معك إلهًا آخر، لا إله إلا أنت تباركت وتعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرًا» (( 14 ) ).

إذن الراوي عن الغافقيّ هو ابن هبيرة، وليس أبا هريرة كما أحبّ أحمد صبحي منصور أن يفتري.

وإنني أتحدّاه أن يُثبتَ أنه قرأها في طبعة معتمدةٍ من كتاب «الإتقان» بأن يُبيِّنَ لنا بطاقتَها، وبشرطِ أن تكون طبعةً مطبوعةٍ في البلاد العربية؛ بحيث يُمكن التحقُّقُ منها، لا أن يطبَعَها له أسيادُه الأمريكيّون ليستروا سوأته.

ولو كان هذا الرجلُ باحثًا علميًّا حقيقيًا لعلِمَ أنه يتوجّبُ عليه إلى طبعةٍ غير تجاريةٍ لكتابٍ مثل «الإتقان» .

فلو عاد ووجد الخطأ في عديدٍ منها، لَلَزِمَهُ أن يتحقق من مَخطوطات الكتاب، فلعلّ ـ ولنَفترِضْ ـ خطأٌ تناقلِهُ ناسخٌ عن ناسخ.

ثم ها هو كتاب «الدعاء» محققًا مطبوعًا فهل جشَّمَ نفسَهُ عناءَ العودةِ إليه ليتحقّق مما فيه؟

أم هو الحقد الأعمى على تراثنا، وعلى علمائنا، وعلى مُحدّثينا، وعلى صحابة نبيّنا، وعلى نبيّنا نفسِه صلى الله عليه وسلم أعماه وأنساهُ أصولَ البحث العلمي المجرّد النزيه ـ وهو الدكتور العالم الأزهري؛ كما وصف نفسه (( 15 ) )ـ الذي يفرضُ عليه كلَّ ما ذكرتُ وأكثرَ منه قبل أن يخرُجَ إلى الناس بتلك الجوهرة التي لم يسبقه إلى اكتشافِها أحدٌ دليلًا على كذب وجهل أحدِ أكابرِ عُلماء الأمة الإسلامية الحافظ الطبراني رحمه الله تعالى، وجزاه عن سنة النبيِّ صلى الله عليه وسلم كلّ خير.

ثمّ إنّ الطبراني الحافظ العلَمَ الذي شُهِدَ له في علم الحديث بطول الباع، وعُرِفَ بالحفظ والضبط والاطلاع، لو أراد ـ جدلًا ـ أن يضَعَ هذا الحديث لاصطفى له سندًا ذهبيًّا يُمكن أن يَغُرَّ به، لا أن يأتي بسندٍ واهٍ فيه شيعيَّان أحدُهما غالٍ وسيّئ الحفظ يجعلون هذا السندَ ظُلُماتٍ بعضُها فوق بعض!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت