فهرس الكتاب

الصفحة 7151 من 27809

وقالت طائفة أخرى شؤم الدار مجاورة جار السوء وشؤم الفرس أن يغزى عليها في سبيل الله وشؤم المرأة أن لا تلد وتكون سيئة الخلق وقالت طائفة أخرى منهم الخطابي هذا مستثنى من الطيرة أي الطيرة منهى عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه ولا يقيم على الكراهة والتأذي به فإنه شؤم وقد سلك هذا المسلك أبو محمد بن قتيبة في كتاب مشكل الحديث له لما ذكر أن بعض الملاحدة اعترض بحديث هذه الثلاثة.

وقالت طائفة أخرى الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطير بها فيكون شؤمها عليه ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشؤمة عليه قالوا ويدل عليه حديث أنس الطيرة على من تطير وقد يجعل الله سبحانه تطير العبد وتشاؤمه سببا لحلول المكروه به كما يجعل الثقة والتوكل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به وسر هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى والخوف من غيره وعدم التوكل عليه والثقة به كان صاحبها غرضا لسهام الشر والبلاء فيتسرع نفوذها فيه لأنه لم يتدرع من التوحيد والتوكل بجنة واقية وكل من خاف شيئا غير الله سلط عليه كما أن من أحب مع الله غيره عذب به ومن رجا مع الله غيره خذل من جهته وهذه أمور تجربتها تكفي عن أدلتها والنفس لا بد أن تتطير ولكن المؤمن القوي الايمان يدفع موجب تطيره بالتوكل على الله فان من توكل على الله وحده كفاه من غيره قال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ولهذا قال ابن مسعود وما منا إلا يعني من يقارب التطير ولكن الله يذهبه بالتوكل ومن هذا قول زبان بن سيار:

أطار الطير إذ سرنا زياد ... لتخبرنا وما فيها خبير

أقام كان لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير

تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور

بل شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير

قالوا فالشؤم الذي في الدار والمرأة والفرس قد يكون مخصوصا بمن تشاءم بها وتطير وأما من توكل على الله وخافه وحده ولم يتطير ولم يتشاءم فان الفرس والمرأة والدار لا يكون شؤما في حقه

وقالت طائفة أخرى معنى الحديث إخباره صلى الله عليه و سلم عن الأسباب المثيرة للطيرة الكامنة في الغرائز يعنى أن المثير للطيرة في غرائز الناس هي هذه الثلاثة فأخبرنا بهذا لنأخذ الحذر منها فقال الشؤم في الدار والمرأة والفرس أي أن الحوادث التي تكثر مع هذه الأشياء والمصائب التي تتوالى عندها تدعو الناس إلى التشاؤم بها فقال الشؤم فيها أي أن الله قد يقدره فيها على قوم دون قوم فخاطبهم صلى الله عليه و سلم بذلك لما استقر عندهم منه صلى الله عليه و سلم من إبطال الطيرة وإنكار العدوى ولذلك لم يستفهموا في ذلك عن معنى ما أراده صلى الله عليه و سلم كما تقدم لهم في قوله لا يورد الممرض على المصح فقالوا عنده وما ذاك يا رسول الله فأخبرهم أنه خاف في ذلك الأذى الذي يدخله الممرض على المصح لا العدوى لأنه صلى الله عليه و سلم أمر بالتوادد وإدخال السرور بين المؤمنين وحسن التجاوز ونهى عن التقاطع والتباغض والأذى.

فمن اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نسب الطيرة والشؤم إلى شيء من الأشياء على سبيل إنه مؤثر بذلك دون الله فقد أعظم الفرية على الله وعلى رسوله وضل ضلالا بعيدا والنبي صلى الله عليه و سلم ابتداهم بنفي الطيرة والعدوى ثم قال الشؤم في ثلاث قطعا لتوهم المنفية في الثلاثة التي أخبر أن الشؤم يكون فيها فقال لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاثة فابتدأهم بالمؤخر من الخير تعجيلا لهم بالأخبار بفساد العدوى والطيرة المتوهمة من قوله الشؤم في ثلاثة وبالجملة فإخباره صلى الله عليه وسلم بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها وإنما غايته إن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشؤمة على من قاربها وسكنها وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر وهذا كما يعطى سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه ويعطى غيرهما ولدا مشؤما نذلا يريان الشر على وجهه وكذلك ما يعطاه العبد ولاية أو غيرها فكذلك الدار والمرأة والفرس والله سبحانه خالق الخير والشر والسعود والنحوس فيخلق بعض هذه الأعيان سعودا مباركة ويقضى سعادة من قارنها وحصول اليمن له والبركة ويخلق بعض ذلك نحوسا يتنحس بها من قارنها وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة فكما خلق المسك وغيره من حامل الأرواح الطيبة ولذذ بها من قارنها من الناس وخلق ضدها وجعلها سببا لإيذاء من قارنها من الناس والفرق بين هذين النوعين يدرك بالحس فكذلك في الديار والنساء والخيل فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر.

انتهى من مفتاح دار السعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت