فهرس الكتاب

الصفحة 9182 من 27809

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي بَاطِنِ الأَمْرِ وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِرِ مُسْتَوْجِبٌ لَهُ فَيَظْهَرُ لَهُ صلى الله عليه وسلم اسْتِحْقَاقُهُ لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَيَكُونُ فِي بَاطِنِ الأَمْرِ لَيْسَ أَهْلا لِذَلِكَ، وَهُوَ صلى الله عليه وسلم مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ.

الثَّانِي: إنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبِّهِ وَدُعَائِهِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، بَلْ هُوَ مِمَّا خَرَجَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي وَصْلِ كَلامِهَا بِلا نِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: تَرِبَتْ يَمِينُك وَعَقْرَى حَلْقَى، وَكَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ لِيَتِيمَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ: لا أَكْثَرَ اللَّهُ مِنْك. وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ: لا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ، فَخَافَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَادِفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إجَابَةً، فَسَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَرَغِبَ إلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً، وَكَفَّارَةً، وَقُرْبَةً، وَطَهُورًا، وَأَجْرًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَقَعُ مِنْهُ هَذَا فِي النَّادِرِ الشَّاذِّ مِنَ الأَزْمَانِ، وَلَمْ يَكُنْ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا، وَلا مُتَفَحِّشًا، وَلا لَعَّانًا، وَلا مُنْتَقِمًا لِنَفْسِهِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: ادْعُ عَلَى دَوْسٍ. فَقَالَ:"اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا". وَقَالَ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ".انْتَهَى

وَعَبَّرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْجَوَابِ الأَوَّلِ بِعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ أَحْبَبْت نَقْلَهَا، فَقَالَ:

أَوْضَحُهَا وَجْهٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا يَغْضَبُ لِمَا يَرَى مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ، فَغَضَبُهُ لِلَّهِ لا لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلا يَنْتَقِمُ لَهَا، وَقَدْ قَرَّرْنَا فِي الأُصُولِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ غَضَبِهِ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَغْضُوبِ مِنْ أَجَلِهِ. وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّبَ الْمُخَالِفَ بِاللَّعْنِ وَالسَّبِّ وَالْجَلْدِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِالْمَكْرُوهِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مُخَالَفَةِ الْمُخَالِفِ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَخَالِفَ قَدْ يَكُونُ مَا صَدَرَ مِنْهُ فَلْتَةٌ، أَوْجَبَتْهَا غَفْلَةٌ، أَوْ غَلَبَةُ نَفْسٍ، أَوْ شَيْطَانٌ، وَلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَمَلٌ خَالِصٌ وَحَالٌ صَادِقٌ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَثَرَ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ هَذَا وَدُعَاءُ رَبِّهِ إشْفَاقًا عَلَى الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ وَتَأْنِيسًا لَهُ لِئَلا يَلْحَقَهُ مِنَ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ تَقَبُّلُ دُعَائِهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ وَقَدْ تَكُونُ سُؤَالاتُهُ لِرَبِّهِ فِيمَنْ جَلَدَهُ وَسَبَّهُ بِوَجْهِ حَقٍّ وَعِقَابٍ عَلَى جُرْمٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُقُوبَةً فِي الدُّنْيَا وَكَفَّارَةً لِمَا فَعَلَهُ وَتَحَصُّنًا لَهُ عَنْ عِقَابِهِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:"وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ كَانَ لَهُ كَفَّارَةً".

ويعلم الله أخي لم أقف على سند صحيح ثابت أو حتى مقبول؛ يفيد أن معاوية رضي الله عنه كان يأكل فوق العادة من الوجبات، وما وجدت إلا روايات أخبار وقصاص الغرض منها الحط أكثر من التوثيق.

وما ورد من طريق أبي حمزة عمران بن أبي عطاء؛ فهي رواية مضطربة في الواقع لم تتفق على وتيرة واحدة في نقل الخبر. فتأمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت