فهرس الكتاب

الصفحة 9261 من 27809

قال: (نعم أو حدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب) (29) ، ومع ذلك كله فالصحابة بشر وهم معرضون كغيرهم للسهو والنسيان، ويعتريهم الوهم أحيانًا، ولا يعني تعديلهم نفي إمكانية السهو والنسيان عنهم.

فحيث لا يوجد بين الصحابي وبين الرسول صلى الله عليه وسلم سلسلة إسناد، بل الواسطة هي واحدة من الصحابة غالبًا (30) فقط، فإن الوهم إن كان، فإنما هو من الراوي الصحابي، وإنما يقع له الوهم غالبًا للأسباب التالية (31) :

-يحدث بما سمع ولا يدري أنه منسوخ.

-أن يقع له انقلاب بين شيئين أو لفظين (المقلوب) .

-أن يقول مع رواية الحديث قولًا من عند نفسه، متصلًا بنص الحديث، فيظنه السامعون مرفوعًا (المدرج) .

-أن يروي الحديث في مورد يجعله يتحمل من المعنى أكثر مما يحتمل.

-أن يروي الحديث على غير وجهه، لغفلته عن سبب الورود.

لكن الصحابة الآخرين ما كانوا ليسكتوا على الخطأ، بل كان بعضهم يصحح لبعض ما وهم فيه .. وأوهام الصحابة مع ذلك قليلة بالنسبة لمن بعدهم .. وتوافر إخوانهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عاملًا في ضمان التصحيح وسرعته. لذلك قد نجد الصحابي الذي يصحح، يصف صاحب الرواية المعترض عليها بالوهم أو الخطأ، وهذا قصارى ما يرد في الجرح والتعديل عند الصحابة رضي الله عنهم جميعًا لخروج الكلام في العدالة منه، وكان ممن تكلم في هذا الفن من الصحابة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد ذكر ابن عدي أن عددًا من الصحابة تكلموا في الجرح والتعديل، وذكر منهم عائشة رضي الله عنها (32) .

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والتعديل:

كان موقف أم المؤمنين إذا سمعت من أحد رواية لا تتفق مع ما تعلمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبادر إلى بيان الوهم الواقع فيها، فقد وهّمت رضي الله عنها جماعة من الصحابة في رواياتهم للحديث .. أورد هنا بعض الأمثلة:

-المثال الأول: وهمت أم المؤمنين عائشة ابن عمر في تواريخ اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنكرت عليه كونه عليه الصلاة والسلام اعتمر في رجب .. الحديث (33) ، وفيه أن ابن عمر سكت حين راجعته، وفي هذا يقول النووي (34) : (سكوت ابن عمر على إنكار عائشة يدل على أنه قد اشتبه عليه أو نسي أو شك، واستدل ابن حجر بالرواية على صدور الوهم من الصحابي، فقال:(وفيه دليل على أنه يدخل الوهم الصحابي والنسيان لكونه غير معصوم) (35) ، وزاد القرطبي (36) على قول ابن حجر: إن ابن عمر رجع لقولها.

-المثال الثاني: غلطت أم المؤمنين ابن عمر في روايته لحديث أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم، وكانت تقول بعد أن أتت بالرواية على الوجه الذي تعلمه صحيحًا: (غلط ابن عمر) (37) . وحسب رأي أم المؤمنين فإن غلط ابن عمر تمثل في قلبه للحديث، فجعل مؤذن الليل مبصرًا وهو بلال، ومؤذن الصلاة أعمى وهو ابن أم مكتوم.

-المثال الثالث: في رد حديث ابن عمر: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) (38) فبعد أن ذكرت رضي الله عنها تصحيح الرواية وسبب ورود الحديث قالت: (أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ) (39) وصرحت بنسبته للوهل والوهم.

-المثال الرابع: كما ردت عائشة رواية أبي هريرة لحديث: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا) ، (40) فبعد أن صححت الرواية قالت: (لم يحفظ الحديث) (41) وتعني أبا هريرة ونسبته لغفلة في عدم ضبطه لهذا الحديث.

وأمثلة أخرى فيها توهيم عائشة لبعض الصحابة لرواياتهم لبعض الأحاديث، مما يدل على أنها رضي الله عنها كانت من أول من تكلم في الجرح والتعديل في رواية الحديث، ومن المكثرين أيضًا، وقد تيسر لها هذا بسعة علمها وحفظها لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفهمها لمعانيه وفقهها لأحكامه، واطلاعها على سبب وروده، مع ما حباها الله تعالى من فطنة وذكاء .. فهذه بحق الشروط التي ينبغي توفرها في الذي يخوض في هذا الفن، وهذا في كل العصور .. وعلى هذا، مساهمة النساء في هذا العلم موقوفة بتوفر الشروط اللازمة .. وللخوض فيه اعتبارات أخرى .. وقد رأينا حظ أم المؤمنين فيه، فقد كانت رضي الله عنها بحق محدثة عصرها، بل كافة العصور، وناقدة بارعة.

الجرح والتعديل عند غير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت