فهرس الكتاب

الصفحة 9407 من 27809

الوجه الثاني: رواه عبدالله بن صالح، وعثمان بن صالح كلاهما عن الليث بن سعد عن مشرح بن هاعان قال: قال عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه .. الحديث.

وقد رجح أبو زرعة الوجه الأوَّل المرسل، وهو الأظهر لأمرين:

أنّ يحيى بن عبدالله بن بكير أقوى في الليث بن سعد من المخالفين له، وقد تقدم قول ابن عدي: (( كان جارًا لليث بن سعد وهو أثبت الناس في الليث، وعنده عن الليث ما ليس عند أحد ) )، وقول ابن معين: (( أبو صالح أكثر كتبا، ويحيى بن بكير أحفظ منه ) ).

أن الليث بن سعد لم يسمع من مشرح شيئًا، ولا روى عنه، كما قال يحيى بن بكير-في هذه المسألة-: (( لم يسمع الليث من مشرح شيئًا، ولا روى عنه شيئًا ) )، وقال الترمذي في العلل الكبير (ص: 161) : (( وسألت محمدا عن حديث عبدالله بن صالح حدثني الليث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بالتيس المستعار وهو المحل والمحلل له لعن الله المحل والمحلل له"، فقال: عبدالله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى الليث سمعه من مشرح بن هاعان، لأن حيوة روى عن بكر بن عمرو عن مشرح ) )، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني -كما نقل ذلك ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (3/ 277) ، وابن كثير في تفسيره (1/ 280 - 281) : (( كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارا شديدا ) ).

وقد تعقب ابن الملقن البخاريَّ فقال في البدر المنير (5/ل221ب) : (( قد ذكر الحاكم في روايته لهذا الحديث سمعتُ مشرح بن هاعان، وقال قبله: قد ذكر كاتب الليث سماعه فيه، وكونه لم يخرجه في أيامه لا يضر إذن، وقوله: لأن حيوة روى عن بكر بن عمرو عن مشرح، يريد أنّ حيوة من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما يروي عن بكر عن مشرح، وهذا غير لازم لأنَّ الليث كان معاصرًا لمشرح، وقد صرح بسماعه منه ) ).

وقد قوى الزيلعي في نصب الراية (3/ 239) سماعه منه فقال: (( قوله في الإسناد قال لي أبو مصعب يردُّ ذلك، ورواه الدارقطني في سننه معنعنا عن أبي صالح كاتب الليث، عن الليث عن مشرح به وكذلك حسنه عبدالحق لأنه ذكره من جهة الدارقطني ) ).

وفي كلام ابن الملقن، الزيلعي نظر وذلك أنّ يحيى بن عثمان وإن كان صرح بسماع الليث بن سعد من مشرح فإنه خالف في ذلك مَنْ هو أوثق منه في الليث يحيى بنَ بكير الذي أنكر أن يكون الليث سمع من مشرح، وبيّن الصواب في رواية الليث.

وأمَّا متابعة عبدالله بن صالح كاتب الليث لعثمان فلا تنفع؛ لأنّ عبدالله فيه ضعف، ويبدو أنه أخرج هذا الحديث في آخر حياته كما أشار إلى ذلك البخاري بقوله: (( عبدالله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا ) )، وتقدم أنّ حديثه الأخير فيه أوهام كثيرة، وتقدم قول أحمد بن حنبل: ((: كان أول أمره متماسكا ثم فسد بأخرة ) )، ويبدو أنه يضطرب في الحديث فقد صرح بسماع الليث من مشرح في رواية الفضل بن محمد - والفضل صدوق، انظر: لسان الميزان (4/ 447) -، وعنعن في رواية مطلب بن شعيب -وهو صدوق، انظر: لسان الميزان (6/ 50) -، وإبراهيم بن الهيثم -وثقه الدارقطني، انظر: المغني للذهبي (1/ 29رقم202) -.

ولا يبعد أنْ يكون هذا الحديث مما لقنه خالدُ بنُ نجيح عثمانَ بنَ صالح، وعبدالله بنَ صالح، فقد ابتليا به، وخالد كما قال عنه أبو حاتم: كذاب، -انظر: لسان الميزان (2/ 388) -، وتقدم قول أبي زرعة: (( لم يكن عندي عثمان ممن يكذب ولكنه كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ أملى عليهم ما لم يسمعوا فبلوا به، وقد بلى به أبو صالح أيضا ) )، وقول أبي حاتم: ((: (( الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخر عمره فأنكروها عليه أرى أن هذا مما افتعل خالد بن نجيح، وكان أبو صالح يصحبه وكان سليم الناحية وكان خالد بن نجيح يفتعل الحديث ويضعه في كتب الناس ولم يكن وزن أبى صالح وزن الكذب كان رجلا صالحا ) ).

فتبين مما تقدم أنَّ الحديث من الطريق الراجح لا يصح لانقطاعه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت