فهرس الكتاب

الصفحة 9601 من 27809

وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )) [المائدة: 67]

فعلى التسليم بأن السم كان السبب الأساس في مرض موته عليه السلام، فإن الله عصمه من الموت على أثره من قبل أن يتم بلاغ الرسالة، فما لحق به أثر السم وتمكن منه إلا من بعد أن اكتمل الوحي وانقضت مهمته الشريفة صلى الله عليه وسلم، وآن أوان فراقه! وهذا مؤداه تأكيد معنى العصمة لمن تأمل، فقد أوذي عليه السلام مرارا خلال زمن الرسالة، وتعرض لمكائد شتى، ولكنه لم يمت بأمر الله تعالى إلا بعد إتمام مهمة البلاغ، حتى مع كونه قد تشبع جسده الشريف بسمّ أكله فظل يؤذيه لسنوات من بعدها!

قال أبو الفداء بن كثير رحمه الله:

"ومن عصمة الله لرسوله حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا شرعية ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه منه ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة"اهـ.

فعصمة الله تعالى له من كيد من أرادوا قتله بالسم لا تعني عصمته من أن يجد أثر ذلك السم في جسده في العاجل أو الآجل، ولا تعني امتناع أن يتسبب ذلك السم في مرض موته عليه السلام حين يأتي أجله بعدها بسنوات. وكذا فحماية الله له من كيد من سحروا له لا تعني عصمته من أن يمرض بسبب ذلك السحر أو يتأذى منه ..

فالحاصل أن الذي يدعي تعارض الأحاديث الواردة في سم النبي عليه السلام مع هذا النص القرءاني في عصمته من الناس = إنما أُتي من قبل جهله بحقيقة تلك العصمة ومناطها، وقد تبين أنه لا تعارض ولله الحمد، والله أعلى وأعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت