بين الجهل في التطبيق والنظر القاصر:
تحدث كثير مِن الناس في استبدال النقود بالهدْي والأضاحي: هل يجوز ذلك أم لا يجوز؟ ووجَّه بعض الصحف إلى العلماء استفتاءً في هذا الشأن فأجبنا عنه بما يلي:
يظنُّ كثير مِن الحُجاج أنه يجب على كل حاجٍّ أن يذبح هدْيًا في حجه، وأن يكون ذبحه في أيام معينة هي أيام النحر الثلاثة، وفي مكان معين وهو مِنًى خاصة. ومن هنا نرى الفقراء أو البخلاء يعمدون إلى ما قلَّ ثمنه من هدي مريض أو هزيل فيذبحونه، فلا يَطيب لحمه لأكل ولو كان فقيرًا يتضور جوعًا، وبذلك تتكدس لحوم الهدايا في منى وتتعفن، وتنبعث منها الروائح الكريهة، فتفسد الجو، وتنتشر بها جراثيم المرض، وفي ذلك من الأذى والضرر ما لا يرضاه الشرع، الحريص على صحة الناس، وطيب الحياة.
وأمام هذا الواقع الفاسد يبرز آخرون، يقف نظرهم عندما تقع عليه أبصارهم، وتشمه أفواههم من تكدس اللحوم وآثارها السيئة، ولا يكلفون أنفسهم البحث عن أسباب هذه الظاهرة الخبيثة، فيردونها إلى سوء التشريع، لا إلى سوء التطبيق أو الجهل بالتشريع، وبذلك يصيحون ـ كلما أظل الناس موسم الحج ـ بوجوب العدول عن الهدى والذبح، ويلحون في استبدال النقود بالهدي وتوزيعها على الفقراء، بدلًا من هذه اللحوم التي تُفسد الجو، أو تُدفن في الأرض، ويُقحمون فيما يبرر رأيهم ـ جهلًا بغير علم ـ قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) (الآية 37 من سورة الحج) .
وبذلك وقعت مسألة"الهدي في الحج"بين جهل في التطبيق والعمل، وبين نظر قاصر، يحاول بهذا الجهل تغيير حكم الله فيها، دون أن يتعرف واقع المشروع ويدعو الناس إليه، فيبقى حكم الله على ما شرع، ويسلم الجو من الأذى والضرر.