هدْيُ السلَف:
على هذا المبدأ في السؤال والجواب والامتثال درَج المسلمون ودرج العلماء، وكان مرجع التوفيق في سؤال السائلين أن يسألوا عمَّا ينفعهم في صحة عبادتهم، وحلّ تَصرُّفهم وتقرُّبِهم إلى مولاهم؛ وكانوا لذلك لا يسألون عن مَفروض لا يقع، أو غيبيٍ لا يتصل بالعمل، ويرون أن الاشتغال بهذا النوع من الأسئلة اشتغالٌ بما لا يَعْنِي؛ ومن حُسن إسلام المرْء ترْكه ما لا يَعْنيه. وكان مرجع التوفيق في جواب المسئولين التحرِّي عن حُكم الله، والرجوع ـ عند عدم العلم أو عند الشك والتردُّد ـ إلى المصادر الصحيحة من كتاب الله أو سُنة رسوله أو كُتب العلماء المَوثوق بعلْمهم، الذين لم يتَّخِذوا الفتوَى أو الفقه تِجارةً منها يتعيشون، وكانوا يرون لهذا أنَّ تحكيم الهوى ـ إرضاءٌ للسائل، أو تحصيلًا للمادة، أو تحكيم التفكير العقلي في العبادة دون رجوع إلى مصدر تشريعي ـ باب واسع من أبواب الضلال والإضلال، وما نزل بجلال الدين وجلال أحكامه عن درجة القداسة سوى تحكيم الهوَى وحب الاستظهار على أحكام الله.
والعبادة ـ في أصلها، وكيفيتها، وصحتها ـ رسمٌ من الله لا شأن للإنسان فيه إلا أن يَعرفها كما وردتْ، وإلا أن يفعلها أو يَعلمها كما عَرف، وليس له أن يتصرَّف فيها برأْيه وهواه، فيَضِلُّ ويُضِلُّ، ويحمل في عنقه تَبِعَةَ ضَلالهِ، كما يحمل تبِعةَ إضْلاله.
هذا هو واجب السائلين، وذاك هو واجب المسئولين، وأرجو أن يقتصد السائلون في أسئلتهم، وأن يقتصد المسئولون في أجوبتهم، وأن يقف كل فريقٍ عندما ينبغي للمسلم المؤمن أن يقف عنده من سؤالٍ أو جوابٍ.