سرُّ تحريم الخمْر:
أما الأمر الثاني من الأمرينِ:"موضوع الفتاوى"فهو أن الإسلام حين قرَّر حُرمة الخمر وعقوبة شاربها، لم ينظر إلى أنها سائلٌ يُشرب وإنما نظر إلى الأثر الذي تُحدثه في شاربها مِن زوال العقل الذي يُفسد عليه إنسانيته، ويَسلبه مكانة التكريم التي منحه الله إيَّاها، ويُفسد عليه أيضًا ما يجب أن يكون بينه وبين الناس من صِلات المَحبة والصفاء، ويُطوع له مع هذا انتهاك الأعراض، وقتْل النفوس، ويُعكِّر عليه صفْو المعرفة بالله، الناشئة عن مُراقبته وتَذَكُّرِ عظمتِه.
وذلك عنوانُ أضرارها الرُّوحية والاجتماعية التي حُرِّمَتْ لأجلها، كما تضمنها وأشار إليها بأساليب التحريم المتعددة القوية قوله ـ تعالى ـ من سورة المائدة: (يا أيُّها الذينَ آمنوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصاب ُوالأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشيطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لعلَّكمْ تُفْلِحُونَ . إنَّما يُريد الشيطانُ أنْ يُوقعَ بيْنكمُ العداوةَ والبَغضاءَ في الخمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصلاةِ فهَلْ أنتمْ مُنْتَهُونَ) ؟.
وقد كشف البحث الإنساني، في ضوء هذا الوحي الإلهي الكريم، أنَّ للخمر مع هذه الأضرار أضرارًا أخرى، أجمع عليها الأطباء، في الكبِد والمعدة، وسائر الأجهزة، وأنَّ هذه الأضرار كان لها في القضاء على الإنسان أشدُّ ما عُرف للأمراض الفتاكة من القضاء عليه.