لَمْ تُشرع إقامة الجمعة مرتينِ:
والدعوة إلى إقامة الجمعة مرتينِ، في مكان واحدٍ ووقت واحد، في جماعتينِ بخُطبتين لم تُعهد في حاضر الإسلام ولا ماضيه، ولم يُعرف لها سند في أصل التشريع؛ وإذنْ، تكون هذه
الثالثة ـ أيضًا ـ تشريعًا بما لم يأذنْ به الله.
أما صلاة الجمعة قبل الظهر، فهِي وإنْ كانت قولًا منسوبًا إلى الإمام أحمد بن حنبل فإن المأثور ـ عن جمهور الصحابة والتابعين ومَن بعدهم مِن جماهير الأئمة ـ أنهم مُتفقون على أن وقت الظهر شرْط لصلاة الجمعة، وقد جاء في كتب الحنابلة أنفسهم:"وإذا زالتِ الشمسُ يوم الجمعة، صعَد الإمام على المِنْبَر"ووجَّه شُرَّاحهم ذلك: بأن النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يفعله وساقُوا الأحاديث الصحيحة في أنه ـ عليه السلام ـ كان يُصلي الجمعة حين تميل الشمس، وقالوا ـ في اختيار العمل بمذهب الجمهور وتفضيله ـ: إن في صلاتها بعد الزوال، خروجًا من الخلاف، فإن علماء الأمة اتَّفقوا على أن ما بعد الزوال وقتٌ للجمعة، وإنما الخلاف فيما قبله، أي الواجب في العبادة الاحتياط وإيقاعها على الوجه المُتفَق على مشروعيته دون المُختلف في صحته، وعلى هذا جرى العمل في جميع الأقطار الإسلامية، عملًا بقاعدة التيقُّن في صحة العبادة، وتحقيقًا لمَظهر الوحدة التي يعمل الإسلام عليها في جميع تشريعاته.
ومِن هنا يتبيَّن أن رأي الإمام أحمد بن حنبل في جواز تقديم صلاة الجمعة على الزوال إنما هو مُجرد رأيٍ نظريٍّ، لم يأخذ صِبْغَةً عمليةً عامَّةً في عهد سابق ولا عهد لاحق، والمُتتبِّع لآراء الفقهاء في كثير من المسائل يرى أن لكثيرٍ منهم آراء نظرية، جرى العمل ـ حتى من أصحابها ـ على غيرها، أخذًا بالأحْوط، وعملًا على الوحدة التي هي من مقاصد الإسلام، والتي يُحققها رأْيُ الأكثرية.