فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 498

الأمر بمُخالفة المُشركين:

نعم جاء في أحاديثَ خاصةٍ باللحية الأمر بالإعفاء والتوفير وعَلَّلَتْ ذلك بمُخالفة المجوس والمشركين، ومن هنا فقط أخذ بعض العلماء أن حلْق اللحْية حرام أو مُنكَر.

والذي نعرفه في كثير مما ورد عن الرسول في مثل هذه الخصال أن الأمر كما يكون للوجوب يكون لمُجرد الإرشاد إلى ما هو الأفضل، وأن مُشابهة المُخالفين في الدين إنما تَحرُم فيما يقصد فيه التشبُّه من خصائصهم الدينية؛ أما مُجرد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأس بها ولا كراهة فيها ولا حُرمة.

وقد قيل لأبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ـ وقد رُئِيَ لابسًا نعلينِ مَخصوفين بمساميرَ ـ إن فلانًا وفلانا من العلماء كرَّها ذلك؛ لأن فيه تشبُّهًا بالرهبان فقال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلبس النِّعال التي لها شعر، وإنها من لباس الرهبان.

ونحن لو تمشينا مع التحريم لمجرد المشابهة في كل ما عُرف عنهم من العادات والمظاهر الزمنية لوجب علينا الآن تحريم إعفاء اللحى؛ لأنه شأن الرهبان في سائر الأمم التي تُخالفنا في الدين، ولَوَجَبَ الحكم بالحرمة على لبْس القُبَّعَة، وبذلك تعود مسألتها جَذَعَةً بعد أن طوى الزمن صفحتها، وأخذت عند الناس مسلك الأعراف العامة التي لا تتصل بتديُّن ولا فِسْقٍ ولا بإيمانٍ وكُفْرٍ.

والحقُّ أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها حلْق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة؛ فمَن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يُساير بيئته، وكان خُروجه عمَّا ألِفَ الناس فيها شذوذًا عن البيئة.

والله الموفق للسداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت