الحكمة في تخصيص أفعال مُعيَّنة للتكفير:
وبالنظر في أنواع هذه الكفارات نجدها لا تخرج في جملتها على ثلاثة أشياء: تحرير الرقيق إنْ وجد، والصوم، والبٍرّ بالفقراء. وليس من ريبٍ في أنَّ أيَّ واحد من هذه الثلاثة يُحقق للمجتمع بالكفارات أنواعًا من الفوائد الاجتماعية، تعود عليه بكثير من البر والخير والسموِّ، وترفع من شأن الإنسانية إلى درجة التهذيب والتضامن الاجتماعي الذي يُحقق التعاطُف والتراحُم بين بَنِي الإنسان.
فتحرير الرقيق باب واسع من أبواب الحرية، فتَحه الشارع في الكفارات على مِصْراعيه ليَضُمَّ به إلى المجمع الإنساني أعضاء نافعين، يُحييهم بعد موتهم الأدبي، ويُحقِّق لهم بالعتْق شخصيتهم القانونية، وما الرِّقُّ في واقعه إلا موتٌ أدبيٌّ وما الحرية في واقعها إلا حياة. وقد بلغت عناية الإسلام بهذا النوع من الإحياء الأدبي أن أدخله في معظم الكفارات، وجعله مصرفًا من مصارف الزكاة، وجعله إحدى العَقبتين اللتين إذا اقتحمهما المؤمن أمِن عذاب الله وغضبه.
وفي العِتْق ـ حين يكون كفارةً للقتْل الخطأ ـ معنى آخر، وهو تعويض المجتمع عن النفس المَقتولة بإحياء نفسٍ أخرى هي نفس العبد الرقيق، تُشاركه في تحمُّل أعباء الإنسانية، ولعله يُجْدي عليها بشخصيته الجديدة خيرًا كثيرًا.
أما الصوم: فلا يخفى ما فيه من تهذيب النفس، وتقويم الخُلق، والتعويد على الصبر، وضبط الإرادة في تحمل الشدائد، واستقبال الآلام بقوة وعزيمة.
وما أشدَّ حاجة الأمم إلى تسلُّح أبنائها بهذه المعاني التي تُعِدُّهم لمُكافحة الطوارئ ومُصارعة الأحداث.
أما البر بالفقراء فهو مِن أسمى مَطالب الإسلام؛ فكتاب الله يحضُّ عليه بكثير من الأساليب المُختلفة، ولا نكاد نجد سورة من سوره تخلو عن التصريح بسُمُوِّ البر بالفقراء والمساكين، وكذلك كانت تعاليمُ الرسولِ وأحواله أمثلةُ عُليا في الحضِّ على إطعام الطعام والبِرِّ بالفقير والمسكين.