الرفع في آية آل عمران:
ونحن إذا رجعنا إلى قوله ـ تعالى ـ: (إنِّي مُتوفِّيكَ ورَافعُكَ إليَّ) . في آيات آل عمران مع قوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ) في آيات النساء، وجدنا الثانية إخبارًا عن تحقيق الوعد الذي تضمَّنتْه الأُولَى، وقد كان هذا الوعْد التوفية والرفع والتطهير مِن الذين كفروا، فإذا كانت الآية الثانية قد جاءت خاليةً من التوفية والتطهير، واقتصرتْ على ذِكْرِ الرفع إلى الله فإنه يجب أن يُلاحظ فيها ما ذُكر في الأُولَى جمعًا بين الآيتينِ.
والمعنى أن اللهَ توفَّى عيسى ورفعه إليه وطهَّره من الذين كفروا.
وقد فسَّر الآلوسي قوله ـ تعالى ـ: (إنِّي مُتَوَفِّيكَ) . بوُجوهٍ منها ـ وهو أظهرُها ـ إني مُستوفي أجَلك ومُمِيتُكُ حَتْفَ أنْفك لا أُسَلِّطُ عليك مَن يقتلك، وهو كناية عن عِصْمَتِهِ من الأعداء وما هم بِصَدَدِهِ مِن الفَتْكِ به ـ عليه السلام؛ لأنه يلزم مِن استيفاء الله أجَله وموْته حتْف أنْفِه ذلك.
وظاهرٌ أن الرفع ـ الذي يكون بعد التوْفية ـ هو رفع المَكانةِ لا رفع الجَسد، خُصوصًا وقد جاء بجانبه قوله: (ومُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا) مِمَّا يَدُلُّ على أن الأمر أمرُ تَشْرِيفٍ وتَكْرِيمٍ.
وقد جاء الرفع في القرآن كثيرًا بهذا المعنى: (في بُيوتٍ أذِن اللهُ أنْ تُرفَعَ) . (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ) . (ورَفَعْنَا لكَ ذِكْرَكَ) . (ورَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) . (يَرْفَعُ اللهُ الذينَ آمَنُوا) ..إلخ.