فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 498

الضرورات والحاجات:

والفقهاء تَمَشِّيًا مع توسيع نطاق التراحُم، والبُعد عمَّا يفتح على الناس باب التزاحُم المادي في الضغط على أرباب الحاجات، توسَّعوا كثيرًا فيما يتناوله الرِّبَا، وكان لهمْ في ذلك مشارب مُختلفة وآراء مُتعددة. ورأى كثيرٌ منهم أن الحُرمة فيما يُحرِّمُون تتناول المتعاقدَينِ معًا المُقرِض والمُقترض. وإنِّي أعتقد أن ضرورة المُقترض وحاجته مما يرفع عنه إثْم ذلك التعامُل؛ لأنه مُضطرٌّ أو في حكم المضطر، والله يقول: (وقدْ فَصَّلَ لكمْ ما حَرَّمَ عليكمْ إلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إليهِ) . (الآية: 119 من سورة الأنعام) .

وقد صرَّح بذلك بعض الفقهاء فقالوا: يجوز للمُحتاج الاستقراض بالربْح.

وإذا كان للأفراد ضرورة أو حاجة تُبيح لهم هذه المُعاملة، وكان تقديرها ممَّا يرجع إليهم وحدهم، وهم مُؤمنون بَصيرونَ بدِينهمْ، فإن للأمة أيضًا ضرورة أو حاجة، كثيرًا ما تدعو إلى الاقْتراض بالرِّبْح، فالمزارعون كما نعلم تشتدُّ حاجتُهم في زراعاتهم وإنتاجهم إلى ما يُهيئون به الأرض والزراعة. والحكومة كما نعلم تشتدُّ حاجتها إلى مصالح الأمة العامة، وإلى ما تُعِدُّ بِهِ العُدَّة لمُكافحة الأعداء المُغيرين. والتجار تشتدُّ حاجتهم إلى ما يَستوردون به البضائع التي تحتاجها الأمة وتُعمر بها الأسواق، ونرى مثل ذلك في المصانع والمُنشآت التي لا غنى لمَجموع الأمة عنهاس، والتي يَتَّسِعُ بها ميدان العمل، فتُخفِّف عن كاهل الأمة وطْأةَ العمال العاطلين. ولا ريب أن الإسلام الذي يبني أحكامَه على قاعدة اليُسْرِ ورفْع الضرر، والعمل على العزَّة والتقدُّم وعلاج التعطُّل، يُعطي للأمة في شخص هيئتها وأفرادها هذا الحق، ويُبيح لها ـ ما دامت مَواردها في قلَّة ـ أن تقترض بالربح تحقيقًا لتلك المصالح التي بها قيام الأمة وحفْظ كيانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت