لابدَّ من تحديد معاني الألفاظ:
قال الله ـ تعالى ـ: (واللهُ جَعَلَ لكمْ مِن أنْفُسِكُمْ أزْواجًا وجَعَلَ لكمْ مِنْ أزْواجِكُمْ بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقُكمْ مِن الطيِّبَاتِ أفَبِالْبَاطِلِ يُؤمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) . صدق الله العظيم.
كثيرًا ما عرض علماؤنا ـ على اختلاف اختصاصهم مِن شرعٍ واقتصاد، ونفس
وطِبٍّ ـ لمسألة"تحديد النسل"وطالعتْنا الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية ببُحوث تطول وتقصر في تأييد الرأي والدعوة إليه، وفي إنكاره والردِّ عليه، والبحث في ذاته، وعلى وجه عام حركة فكرية تدلُّ على نشاط ذهني، وحيوية علمية، وهو مع هذا يستتبع كثيرًا الكشْف عن صالحٍ، له نفعُه في الحياة، فنُقبل عليه، وننتفع به، أو ضارٍّ له أثَرُهُ السيئ فنُعرض عنه ونتقيه.
ولكن ليصلَ البحث إلى فائدته ـ وتوفيرًا للقُوى والجهود، واحتفاظًا بالوقت لمَا ينفع ويُفيد، وبُعْدًا عن الخلاف بقدر الإمكان ـ يلزم قبل الخوض في الحِجاج، والانتصار للآراء تحديد المراد من موضوع البحث، وبعبارة أخرى، يلزم كما يقول علماؤنا"تحرير محل النزاع"؛ فإنَّ الألفاظ التي يَعنون بها الموضوع قد يكون لها دلالاتٌ متعددة إذا جُليت وحُدِّدت تبيَّن منها ما يكون محلَّ اتفاق فيُستبعد، وما يصحُّ أن يكون محل اختلاف فيُقصر عليه الكلام، وفي دائرته يَرِدُ الحِجاج، وعليه يتوارد النفْيُ والإثبات، وحينئذ يكون الخلاف بين الباحثين خلافًا حقيقيًّا مثمرًا، ويكون البقاء للرأي الذي تقوم حُجته، وتظهر للناس وِجْهَتُه، وقد يكون للألفاظ معانٍ إذا حُددت، وظهر المراد منها، يتبيَّن أن الموضوع محلُّ اتفاق، ولا يقبل بطبيعته أن تَختلف فيه الأنظار وتتعدد الآراء، ويُصبح البحث فيه بعد ذلك اشتغالًا بما لا يُفيد، بل اشتغالًا بما يُفسد على الناس تصورهم للحقائق. وبما يُوقع بينهم النزاع والتفرُّق دون أن يكون في الواقع ما يُبرر النزاع والتفرُّق.