ما يجب أن نعلمه عن الدابَّة:
وعلى هذا، بالنسبة إلى الدابَّة ـ نؤمن بأنه حينما يقع أمر الله، وتَحِقُّ كلمته، ويأتي اليوم الذي لا ينفع فيه نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنتْ مِن قبلُ ـ ستظهر للناس دابَّة، ولكن: هل تتولد مِن الأرض، أم هي مِن دوابِّها؟ ذلك يعلمه الله. وهل هي صغيرة أم كبيرة، وعرْضها كذا وطولها كذا.
وهل تحمل معها عصا موسى، وخاتم سليمان أم لا تحمل شيئًا؟ ذلك يعلمه الله؛ نُؤمن فقط أن دابةً ستخرج وتُكلم الناس، هل تكلمهم بلسان عربي ذلق، أو بغيره؟ كذلك هذا يعمله الله؛ نؤمن بها وبكلامها دون استبعاد أو إنكار.
وقد قصَّ الله علينا في السورة نفسها أن عصا موسى وهي جماد تحرَّكت واهتزَّت كأنها جانٌّ، وأنها تلَقَّفَتْ ما كانوا يأفِكون، وقصَّ علينا أن الحيوان الذي ليس من شأنه أن ينطق ولا أن يعبر عن الإيمان والكُفر، كالهدهد، نطق وعبَّر عن الإيمان والكفر، وأن نبيَّ الله سليمان فهِم منه كل ما أراد، وانتفع برحلته التي قام بها من تلقاء نفسه إلى ملِكة سبأ.
وإذا كانت الجَمادية تلحقها في الدنيا بسُنن الله الخاصية الحيوانية فتتحرك وتبتلع، والحيوانية كذلك تلحقها بالسُّنن الخاصية الناطقية فتُفكر وتُدبر وتنطق وتُعبر، فما بالنا بالنشأة الأُخرى التي لا سَبيل لنا إلى معرفتها، ولا معرفة أحداثها، ولا سُنن الله فيها إلا بالخبر الصادق عنه سبحانه؟ وإذا كانت الأسلاك تهتز بأنباء رؤية مَن رفعه الله إليه عن طريق اليَقَظة، وبأنباء تكوُّن الجنِين بأحد العُنصرين اللذينِ لابدَّ منهما في تكوُّنه بحَسب السنن العامة في الدنيا، ثم تَنال تلك الأنباء التأييد والتصديق، فما الذي يدعو إلى الإنْكار، أو الاستبعاد، أو التأويل لمَا يتضمَّنُه كلام الله الذي قام ألفُ دليلٍ ودليل على صِدْقِهِ، بالقياس إلى نشأةٍ تقع بظاهرها وباطنها في قبْضة الله وحده الذي ينطق كل شيء؟