موضع الإنكار على الأمم السابقة:
نعم: لم يُنكر الله على أحدٍ مِن خلْقه ابتداع شيءٍ من مُتَعِ الحياة الطيبة، ولا مِن وسائل قُوَّتها واتساع عُمرانها، وإنما كان الذي أنكره ابتداع الناس فيما بيَّن ورسم، وتعبَّد به عباده في العقيدة والعمل، والحِلِّ والحُرمة.
أنكر على مَن تخيَّلوا أن في بعض المخلوقات روحًا من أُلوهية الله بها كان في نظرهم إلهًا أو بعض إلهٍ، وبها استحقَّ أن يُعبد، وأن يشفع عند الله، وأن يُقرّب إليه زُلْفَى.
وأنكر على مَن غيَّروا وبدَّلوا في رسوم العبادة وكيفيتها، فعبدوا بما لم يُشرع وغيَّروا فيما شرع، فكانت صلاتهم عند البيت مُكاءً وتصديةً، وطافوا به عرايَا، وحرَّموا ما أحلَّ الله وقالوا: (هذهِ أنْعَامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إلَّا مَن نَشَاءُ) . (الآية: 138 من سورة الأنعام) .
هذا وحده هو الابتداع في الدين، هو الابتداع الذي يخرج به المؤمن عن دائرة الرسالة الإلهية، هو الابتداع الذي يَغتصب به المبتدع حقَّ الله في تشريعٍ هو له وحده، هو الابتداع الذي به يضع المُبتدِع نفسه موضع مَن يرى أن العبادات أو العقائد ـ التي رسمها الله ليَتقرب بها العباد إليه ـ ناقصةً أو فاسدة، فأكملها أو أصلحها بابتداعه! أو موضع مَن يرى أن الرسول الذي اصطفاه الله لتَبليغِ دينه قد قصَّر فيما أُمِرَ بتَبْليغه، وحجَز عن عباد الله بعض ما يُقربهم إليه!.
ولقد كان هذا الابتداع هو السبب الوحيد في نسيان الأمم السابقة شرائعَ الله وأحكامه، هو السبب الوحيد في انْدراسِ العقائد والعبادات، وفي التحلُّل من قيود الحِلِّ والحُرْمَةِ، وانتزاع التديُّن من القلوب، وبذلك انقطعت صلتُهم بالخالِق، وصار أساس التعامُل بينهم القوة الغاشمة، والطغيان المُزْرِي بالإنسانية!.