واجب الجماعة للقيط:
ولم يقف الفقهاء عند هذا الحدِّ في تمهيد طريق الحياة للقيط، ووسائل العناية بتربيته، والإنفاق عليه، بل قدَّروا خُلُوَّ بيت المال عن سداد حاجة اللقيط، وتَعَذُّرِ الإنفاق عليه من جهة ولِيِّ الأمر وعجزه عن القيام بشأنه، قدَّروا ذلك وقرَّروا أنه يجب في تلك الحالة على جماعة المسلمين أن يتعاونوا على البِرِّ به والإنفاق عليه، ويكون ذلك مِن الشئون الخيْرية العامة التي رغَّب القرآن في التعاون عليها وحبَّب فيها، وأنْكر على المُتخاذِلينَ عنها (وتَعَاوَنُوا علَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) . (الآية: 2 من سورة المائدة) (ويُطعمونَ الطعامَ على حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا) . (الآية: 8 من سورة الدهر) . (أرَأيتَ الذي يُكَذِّبُ بالدِّينِ. فذلكَ الذِي يَدُعُّ اليتيمَ. ولا يَحُضُّ على طعامِ المِسْكِينِ) . (أول سورة الماعون) . (كلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ. ولا تَحَاضُّونَ علَى طعَامِ المِسْكِينِ) . (الآيتان: 17 ـ 18 من سورة الفجر) . ولا ريب في أنَّ اللقيط قد جمع معاني اليُتْمِ والمَسْكنة والأَسْرِ، فهو يتيم فقَدَ أباه ومن يرعاه، ومسكين أُسكن في التراب وفي الزقاق وفي الشواطئ، وأَسير شُدَّ وَثَاقُهُ، وكُبِّلَتْ حياته، وعُقدتْ عليه سُبُلُها. فهو ـ إذنْ ـ أحقُّ بالعطف والرعاية، والحضِّ على إطعامه مِن كل ذي حاجة سواه، ولا يبعد أن يكون لهذه الآيات الكريمة أثرٌ كبيرٌ في توجيه أهل الخير إلى تأليف جميعاتِ الطفولة المُشرَّدة، ومدُّها بوسائل الحياة لإيوَائها والعناية بها.