فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 498

تحديد النسل بالمعنى العام تأْبَاهُ طبيعة الحياة وحِكمة الله وشريعة الإسلام:

وإذا كنا نجِدُ في علومنا مُثُلًا كثيرة لهذه المسائل، التي لم يُحرر فيها محل النزاع، فإني أرى أن مسألة:"تحديد النسل"التي عُرضت للبحث في أيامنا الأخيرة من أوضح المُثل التي تناولها النظر واختلاف الرأي، دون أن يُحرَّر بين الباحثين المعنى المراد من كلمة:"تحديد النسل"فقد تبادر أن المقصود منها هو إصدار قانون عام، يُلزم الأمة كلها أن تقف بالنسل عند حدٍّ معين لا فرق في ذلك بين سيدةٍ يَسُوغ إليها الحمل، فتُرضع ولدَها السابق لبَن الحمل، وأخرى يُبطئ حملها، وتُمضي مدة الرضاع أو أكثر في تربية السابق دون حمل. ولا إرضاع في زمن حمل، ولا بين قَوِيٍّ سليم من الأمراض المُتنقلة، يَلِدُ أقوياء أصحَّاء، وضعيف مريض بمُتنقِّل، يلد ضعفاء مرضى، ولا بين غنيٍّ في سَعة من الرزق يستطيع تربية أبنائه مهما بلغ عددهم، وفقير في ضَيِّقٍ لا يستطيع القيام بتربية أبنائه الكثيرين فيضعف احتماله، وتخور أعصابه، وتَفسد حياته، وقد تتشرَّد مع هذا أبناؤه.

وتحديد النسل بهذا المعنى العام لا يُمكن أن يقصده أحدٌ ما، فضْلًا عن أُمة تُريد لنفسها البقاء، وتعمل جاهدةً، وبخطوات سريعة في المشروعات الإنتاجية التي بها تُنافِس الأمم الأخرى، وتردُّ عنها كيْد المستعمرين عن طريق الإنتاج والاقتصاد، وهو بعد هذا تفكير تأْباهُ طبيعة الكون المستمرة في النموِّ، وتأْباهُ حكمة الحكيم الذي خلَق في الإنسان والحيوان مادةَ التوالُد والتناسُل، وخلَق مقابل ذلك في الأرض وسائر ما خلَق قوة الإنتاج الدائم المُضاعَف.

إلا أن المائدة التي أعدَّها الله لعباده في ظاهر الأرض وباطنها، لا يُمكن أن تَضيق عن حاجتهم وحاجة نسْلهم مهما أكثروا ومهما عاشوا، اللهم إلا إذا خانَ صواب الحكمة الإلهية في تقدير المائدة مع تقدير الآكلينَ. سبحانك اللهمَّ. تعالت حِكْمتُك عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت