اختلاف العلماء:
وأمام هذه الآيات وتلك الأحاديث اختلفت آراء العلماء.
فرأى فريقٌ أن الآيات مُقدمة في العمل على الأحاديث، والأحاديث ليس لها قوة الحُكم على الآيات، وبذلك قرَّروا أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره أيًّا كان ذلك العمل، وكيفما كان ذلك الغير.
ورأى فريق آخر أن الأحاديث صريحة في انتفاع الوالدينِ بصدقةٍ ولَدهما أو حَجه أو صومه عنهما، ثم قالوا: لا فرق بين الولد وغيره، وبذلك قرروا أن الإنسان ينتفع بعد موته بعمل غيره متى أَهدى ثوابه إليه، وإن لم يكن من ولده وقالوا: إن الثواب ملك للعامل، فله أن يتبرَّع به ويهديه إلى أخيه المسلم، ثم خرَّج هؤلاء الآيات تخريجًا أوْهَنَ مِن موقفهم أمام المانعينَ. وكذلك كان موقفهم في قياس غير الولد ـ الذي لم يرِد به نصٌّ ـ على الولد الذي ورَد به نصٌّ مع وُجود الفارق بينهما.
أما الدعاء فهو عبادة مُستقلة، ثوابها للداعي فقط، والمَدعو له إنما ينتفع بالاستجابة إذا حصلت، والاستجابة إذا حصلت ليستْ أثرًا لإهداء الداعي ثواب دعائه للميت، وإنما هي شأن خاصٌّ بالله للأحياء والأموات. أما القول بملكية الثواب للعامل فواضح أنه ليس ملكًا بالمعنى المُتعارف في متاع الدنيا لصاحبه نقله وتحويله، فهو توجيه فاسد. وبهذا يتبيَّن أن إطلاق القول بجواز إهداء ثواب العمل ـ أيًّا كان من العامل وكيفما كان ـ لا تنهض له حُجة، ولا يستقيم له دليل.