فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 498

النظرة الثالثة في الإجْماع:

بقِي أن ننظر النظرة الثالثة فيما زعموا مِن إجماعٍ في هذا المقام.

وأُحِبُّ أن أُشير هنا إلى أن"الإجماع"الذي اشتهر بين الناس أنه أصلٌ مِن أصول التشريع في الإسلام قد اختلفت فيه المذاهب والآراء اختلافًا بعيدًا:

اختلفوا في حقيقته، واختلفوا في إمكانه وتصور وُقوعه، ثم اختلفوا في حجيته... إلخ مما يتبيَّن لنا به أن حُجة الإجماع في ذاتها غير معلومة بدليل قطعيٍّ، فضلًا عن أن يكون الحُكم الذي أُثبت به معلومًا بدليلٍ قطعيٍّ فيُكفَّر مُنكرُه.

ثم نقول: إن الذين ذهبوا إلى حُجية الإجماع لم يتفقوا على شيء يُحتجُّ به سوى الأحكام الشرعية العملية، أما الحسيَّات المستقبلة من أشراط الساعة وأمور الآخرة فقد قالوا:"إن الإجماع عليها لا يُعتبر من حيث هو إجماع؛ لأن المُجمعين لا يعلمون الغيْب، بل يعتبر من حيث هو مَنقول عمَّن يُطلعه الله على الغيب، فهو راجع على الإخبارات فيأخذ حُكمها، وليس مِن الإجماع المَخصوص بأُمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الحِسِّيَّ المُستقبل لا مدخل للاجتهاد فيه، فإن وَرَدَ به نصٌّ فهو ثابت به ولا احتياج إلى الإجماع، وإن لم يردْ به نصٌّ فلا مَساغ للاجتهاد فيه". (التحرير) وعلى هذا تخضع جميع الأخبار ـ التي تتحدث عن أشراط الساعة ومن بينها نُزول عيسى ـ إلى مبدأ قطعية النصوص وظنيَّتها في الوُرود والدلالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت