فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 498

جريمة الانْتحار:

تَعَلَّقَ النهْي في آيات النهي بقتْل"النفس"، وليس مِن ريب في أن النفس التي تَكرَّر النهي في القرآن عن قتْلها بغير حق، تتناول بإطلاقها كل نفسٍ بشرية، ونفس القاتل ونفس غيره سواء، وإذا كان المألوف في الطباع البشرية أن يثور الإنسان على غيره ويغضب ويحقِد، ويشتدَّ غضبه وحقده على ذلك الغير، فتُسوِّل له نفسه أن يقتله، شفاءً لحِقْده وذات صدْره، ويكون كل ذلك من الإنسان نقصًا في إنسانيته، وشذوذًا عمَّا استقر في ضمير الإنسانية من حُرمة النفس البشرية، فإن مِن الشذوذ الفادح المُزري بالإنسانية، الذي لم تنزل إليه الحيوانات العُجْم، أن يثورَ الإنسان على نفسه بفَقْرٍ ضاقت به يدُه، أو مرض طالت به زِمَانَتُهُ، أو إخفاقٍ في مَرْغوب، أو فِتْنَةٍ مِن لَعُوبٍ، أو أيِّ ضيق كان نوعه وكان مبعثه، فلا يجد لديه عزمًا، ولا إرادةً يدفع بها الثورة على نفسه، وتعجز مواهبه الإنسانية الأُولى ـ وفساد تصوُّره لسُنن الله في الحياة عن المُكافحة، وعن الصبْر والمُصابرة ـ فيَفِرُّ من الميدان فرارَ الجبان الذي خارت عزيمتُه، وتلاشت إنسانيته. ليس مِن ريب في أن نكْبة الإنسانية بقاتلِ نفسه أثقل في الميزان مِن نكْبتها بقاتل غيره.

نعم، كلاهما قاتلٌ لنفسٍ حرَّم الله قتلها، وكلاهما هادمٌ لعمارةٍ شادَها الله، ولكن الأول قتل غيْره ليَحْيَا، والثاني قتل نفسه ليموت. وإذا كانت فكرة القتل بغير حق جُرثومةَ إفسادٍ في الإنسانية، فإن فكرة قتْل الإنسان نفسَه أشدَّ فسادًا وأعظمَ خَطَرًا، تنهال الإنسانية منها بيدها. وعلى المُصلحين أن يتكاتفوا بكل ما يَرَوْنَ مِن وسائلَ على تطهير الإنسانية في أيِّ مجتمع كان، ديني أو غير ديني، من هذه الجرثومة التي تحملُ في صُورتها ومعناها سقوط الإنسان مِن رُتبة التكريم ومقام الخلافة التي وُضِعَ فيها منذُ خُلِقَ وكُوِّنَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت