تفضيل بعض الأبْناء:
وإذا كان هذا هو شأنَ حِرْمانِ المُستحق فإن تفضيل بعض الأبناء على بعض في العطايَا والهباتِ لا يَقِلُّ أثَرُه الاجتماعي والأُسري عن الحِرْمَانِ نفْسِه، وهذا هو بشيرٌ والد النعمان يَمْنَحُهُ بعض ماله، ويذهب به إلى الرسول، ويُخبره بعَطِيَّتِهِ لوَلده النعمان، ويلتمس منه أن يشهد عليها، فيسأله الرسول: ألَه إخوةٌ؟ فيقول بشيرٌ: نعم، فيقول الرسول: أَكُلُّهُمْ أَعطيتَهُ مثلَ ما أعطيتَه؟ فيقول: لا، فيُنكر عليه الرسول تخصيص النعمان بالعطيَّة، ويأمره بِرَدِّهَا والرجوع فيها، ويمتنع عن الشهادة عليها: لا تُشهدني على جَوْرٍ، إنه عملٌ غيرُ صالحٍ، ويَزيده: (اتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بيْن أوْلَادِكُمْ) . ويَهُزُّ عاطفتَه:"إنَّ لِبَنِيكَ عليكَ مِنَ الحقِّ أنْ تَعْدِلَ بيْنهم، كمَا لك عليهمْ مِنَ الحقِّ أنْ يَعْدِلُوا في بِرِّكَ، أَيَسُرُّكَ أنْ يَكونوا لكَ في البِرِّ سواءً؟ قال: نعمْ، فقال الرسول: فلا إِذَنْ". ورجع بشير في عطيته.
وردتْ هذه القصة في كُتب السُّنَّة الصحيحة، وتلقَّاها المُحَدِّثُونَ في أصلها بالقبول، وجاءت برواياتٍ مُتعددةٍ اختلفتْ في التعبير عن إنكار النبي ـ عليه الصلاة ـ لصَنِيعِ بَشِيرٍ في تخصيص ولده ببعض ماله. وقد جمعناها على اختلافها، ولا ريب أن اعتبارًا واحدًا منها كافٍ في حُرمة هذا الصنيع، الذي يصنعه كثيرٌ مِن الآباء في أبنائهم بأسبابٍ فاسدةٍ، لا ينبغي لعاقلٍ أن يتَّخِذَ شيئًا منها أساسًا لِتَصَرُّفِهِ، فنِسْبَةُ الأبناء إلى الآباء نِسْبَةٌ واحدة لا يَفْضُلُ أحدُهم أخاه في شيءٍ منها، فلا ينبغي أن يفرق بينهم في العطاء؛ حتى لا يتفرَّقوا في المودة والرحمة والتعاون والمحبة.