الزواج السري:
وردَت إلينا بعضُ رسائلَ، يتحدث أصحابها عن نوعينِ من الزواج، يلجأ إليهما بعْض الناس بظروفهم الخاصة، يرون أنهما مَشروعان لا يُعقبانِ إثْمًا ولا ضررًا! ويسأل آخرون عن حُكم الله فيهما، وهما: الزواج السري، والزواج العُرفي.
أما الزواج السِّرِّيُّ فهو نوع قديم من الزواج افترضه الفُقهاء، وبيَّنوا معناه، وتكلَّموا في حُكمه، وقد أجمعوا على أن منه العقد الذي يتولَّاه الطرفان دون أن يحضره شهود، ودون أن يُعلَنَ، ودون أن يُكتب في وثيقةٍ رسمية، ويعيش الزوجان في ظله مكتومًا، لا يَعرفه أحدٌ من الناس سواهما. وأجمعوا على أنه باطل لفقْده شرط الصحة، وهو الشهادة؛ فإذا حضره شهودٌ، وأُطلقت حريتهما في الإخبار به لم يكن سِرًّا، وكان صحيحًا شرعًا، تترتب عليه أحكامه، أما إذا حضره الشهود وأُخذ عليهم العهْد بالكتمان، وعدم إشاعته والإخبار به، فقد اختلف الفقهاء في صِحَّتِهِ بعد أن أجمعوا على كَراهَته:
فرأتْ طائفة أن وُجود الشهود يُخرجه عن السرية؛ والشهادة وحدها تُحقِّق العلانية؛ وإذنْ فلا تأثير في صحة العقد للتوصية بالكتمانِ، ويرى الإمام مالك وطائفة من أن التوصية بالكِتْمان تَسلب الشهادة رُوحَها، والقَصْدَ منها، وهو الإعلان الذي يَضمن ثبوت الحقوق، ويُزيل الريبة، ويَفصل في الوقت نفسه بين الحلال والحرام ـ كما جاء في الحديث الصحيح ـ"فَصْلُ ما بيْنَ الحلال والحرامِ الدُّفُّ والصَّوْتُ". والشهادة التي تُحقق الإعلان المَقصود هي التي لم تقترن بالتوصية على الكتمان، ومُجرد العدد لا يُزيل السِّرِّيَّة؛ وكم من سِرٍّ بين أربعة وبين عشرة لا تزول سريته ما دام القوم قد تواصوا بها وبُني العقد عليها؛ ولعلَّ المجالس الخاصة التي يعرفها اليوم أرباب الفُجور المشترك من أوضح ما يدل على أن كثيرًا ما يكون بيْن أكثر من اثنينِ.