الكتب السماوية:
وبينما يتقاسم الناس هذين الرأيين في الجنِّ وما وراء المادة ـ وهما كما نرى على طرفيْ نقيضٍ، وإفراط وتفريط ـ تجيء الكتب السماوية، وتأخذ من كل منها بطرَف، وتُحدد الواقع الذي يعلمه خالق الكوْن ومنزل تلك الكتب، وتردُّ الأمر في"الجن"إلى الحدِّ الوسط، وتُقرر الواقع الذي فرَّطت فيه الفكرة الإنسانية، وهو أصل الوجود لهذا النوع، فتُقرر وُجوده، وتُقرر له خواص ذاتية أخرى، وتنفي عنه هذه الخواص التي أضافتْها إليه الفكرة الإنسانية في جانب الإفراط.
جاءت الكتب السماوية، بعباراتٍ واضحة لا تحتمل التأْويل، بأن في العالَم خلْقًا آخر غير الإنسان لا ترى أشباحه، ولا تعرف حقيقته، وصرَّحت بالعناوين الخاصة بهذا النوع، فذكرتْ الملائكة وجعلت الإيمان بها عنصرًا من عناصر الإيمان، ثم ذكرت أعمالَهم وفصَّلتْها، ثم وصفتْهم بالطاعة الدائمة التي خُلقوا بها وأنهم (لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) . (الآية: 6 من سورة: التحريم) .
وذكرتِ الجنَّ وجعلتْهم نوعًا مُقابلًا للإنسان، يندرجون معه تحت عنوان:"الثَّقَلَيْنِ"وخاطبتهم وتحدثت عنهم، في المسئولية، والمُؤاخذة والمصير، كما خاطبت الإنسان وتحدثت عنهم في كل ذلك (يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسانِ ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عليكمْ آياتِي ويُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) . (الآية: 130 من سورة: الأنعام) .
(يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإِنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطَارِ السمواتِ والأرضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ) . (الآية: 33 من سورة: الرحمن) .