الحكمة من السجود:
أمَّا حِكْمَةُ هذا السجود فهي على وجهٍ عام نوع من التربية العملية الروحية، يُفاجأُ بها المؤمن كلَّما قرأ القرآن أو سمعه في أيِّ وقت وفي أيِّ مكان. وهذا اختبار لدرجة استعداده لإجابة الدعوة عَمَلِيًّا في الخُضوع لله، وإسلام الوجه إليه؛ فيكون المؤمن بالنسبة لله"وله المثلُ الأعلَى"كالجندي تُفاجئه رؤيةُ قائده، فيَنسلخ بمُجرد رؤيته من نفسه ويَبذل له التحية المَرسومة عن طوْعٍ واختيار، رمزًا للطاعة والامتثال.
وفيها بعد ذلك المُسايرة لرُوح العبودية العام، الذي سُخِّرَ الكوْنُ عليه، ناطقُه وصامتُه، عُلْوِيُّهِ وسُفْلِيُّهِ، والمُسارعة إلى الإعلان العملي بتخصيص السجود لله، دون أرباب العظمة الآفلة الفانية، (لا تَسْجُدُوا للشمسِ ولا للقمرِ واسْجُدُوا للهِ الذِي خَلَقَهُنَّ) . (ألمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَسْجُدُ لهُ مَن فِي السمواتِ ومَن فِي الأرضِ والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشجرُ والدوابُّ وكثيرٌ مِنَ الناسِ) .
وفيها التلبية لمُقتضى العلْم والإيمان، والتشبُّه بالملأ الأعلَى الدائم السجود لله، (إنَّ الذين أُوتُوا العلْم مِن قبلِه إذا يُتلَى عليهمْ يَخِرُّونَ للأذقانِ سُجَّدًا) . (إنَّ الذينَ عندَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَتِهِ ويُسَبِّحُونَه ولهُ يَسْجُدُونَ) .