فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 498

الصمت عند الجنازة:

1 ـ وتحصيلًا لهذه الحكمة السامية طلب الشارع الصمتَ من المشيعين حتى تخلص العِظَةُ إلى النفس، ويقوَى التذكر في القلب، وفي ذلك ما ورد عن الرسول:"إنَّ اللهَ يُحبُّ الصمتَ عند ثلاث: عند تِلاوة القرآن، وعند الزَّحْفِ، وعند الجنازة". ومن هنا عُلم حكم العادة الأولى، وحرَّم رفع الصوت في تشييع الجنازة، ولو بالذِّكْرِ وقراءة القرآن، وطلب الاستغفار للميت.

وقد رُوي أن أحد المشيعين لجنازة على عهد رسول الله رفَع صوته بالاستغفار للميت، فقال له الأصحاب بمَسْمع من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا يغفر الله لك". وإذا كان رفع الصوت بطلب الاستغفار، وهو دعاء من الحاضرينَ للميت، بهذه المَثابة من الإنكار، واستحقاق صاحبه المَقْت والتشنيع والدعاء عليه بالحرمان من مغفرة الله، فما بالنا برفع الأصوات بغيره، كالصِّياح والنِّياحة والندْب وعزْف الموسيقى ذات النغمات المُحزنة؟!

وقد نهَى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن اتباع الجنائز التي معها"رانَّة"والرانَّة هي المُصوِّتة، أي ذات الصوت، فتشمل بعُمومها النائحة والموسيقى والقارئ والذاكر، فكل ذلك أمام الجنازة حرامٌ ومنهيٌّ عنه.

وليس من شك في أن هذه المظاهر ـ فضلًا عن أنها تحول دون التذكر

والاتعاظ ـ تُثير الأحزان وتُضاعف الأسَى، وتخلع القلوب، وتأخذ بها عن جميل الصبر، وفضيلة الرضا بقضاء الله.

وقد سمع عمر بن الخطاب مرةً نَدْبًا ونِياحةً، فدخل مكان الصوت، وأخذ الحاضرين بدرته حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خِمارها، وقال لمَن معه:"اضربْ، فإنها نائحةٌ ولا حُرمة لها، إنها لا تبكي لشَجْوكم، إنها تُريق دموعها على أخْذ دراهمكم، وإنها تُؤذي موتاكم في قُبورهم، وأحيائكم في دُورهم، إنها تَنْهَى عن الصبر وقد أمر الله به، وتأمر بالجزَع وقد نهَى الله عنه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت