فرض الفقهاء في الجن:
صدَّق كثير من الناس ما شاع من ذلك عن الجنِّ، وتناقلوا فيه الحكايات التي ربما رفعوها إلى السلف الصالح، واستمروا على ذلك حتى جاراهم الفُقهاء وفرضوا صحته، واتخذوا من هذا الفرض مادةً جعلوا منها حقْلًا للتدريب على تطبيق كثير من الأحاديث الشرعية عليهم، وكان منهم مَن تحدَّثوا عن صحة التزوُّج بهم، وعن وُجوب الغُسل على الإنْسية إذا خالَطها جِنِّيٍّ، وعن انْعقاد الجماعة بهم في الصلاة، وعن مُرورهم بين يَدَيِ المُصلي وعن روايتهم عن الإنْس، ورواية الإنس عنهم وعن حكم استنجاء الإنس بزادهم وهو"العظم"وعن حكم الأكْل مِن ذبائحهم، إلى غير ذلك ممَّا نراه مَنْشُورا في كتب الفقه، أو نجده في كتب خاصَّة ذات عِناية خاصة بالجنِّ.
وإني أعتقدُ أن ذلك من فُقهائنا لم يكن إلا مُجرد تمرينٍ فِقْهِيٍّ، جَرْيًا على سُنَّتهُم في افتراض الحالات والوقائع التي لا يُرتَقب وُقوعها، أو التي لا يُمكن أن تقع. وإذنْ فَفُروض الفقهاء، التي لم يقصدوا بها إلا مُجرد التدريب الفقهي، لا تصلح أن تكون دليلًا أو شِبه دليلٍ على الوقوع والتحقُّق فلْنتركهم على سُنَّتهم يَفترضون، ومَرَدُّنَا في ذلك إلى القرآن الكريم.