الدِّينُ والعقل لا يُقرَّانِ هذا الانحراف:
وإنْ تعجب فعَجَبٌ أن تُكتب الآية القرآنية الحكيمة في إناء ثم تُمحَى بالماء. ثم يُؤمر المريض بشُربه، أو تُكتب قِطعٌ صغيرة من الورق، ثم تُلَفُّ كالبرشام، ويُؤمر المريض بابتلاعها، أو تُحرق تلك القطع ويُبخر المريض بها على مرات، أو تُوضع في خِرْقة وتُعلق حِجابًا"في مكان معين من جسم المريض"!!
بهذا ونحوه اتَّخذ الدجَّالون القرآن الكريم وسيلة لكسْب العيش عن طريق يأْباهُ الإيمان، ويُصدقه كثيرٌ من المسلمين.
وذلك فضلًا عن أنه انحراف بالقرآن عمَّا أُنزل لأجله فإن فيه إفسادًا للعقول الضعيفة، وصرفًا لأربابها عن طريق العلاج الصحيح، وتغييرًا لسُنة الله في الأسباب والمُسببات، واحتيالًا على أكل أموال الناس بالباطل، وهذا تصرُّف لا يُقره دِينٌ ولا يرضى به عقل سليم.
فإذا تركنا هؤلاء الدجَّالين يَعبثون في القرآن والمُدن وبالعقول الضعيفة على هذا النحو، وسِرْتُ في شوارع القاهرة أو غيرها مِن المُدن فإنَّك ترى المُتسولين ـ وقد جلَس أحدُهم رجلًا أو امرأةً ـ في مُلتقى الطرقات، أو مواقف المواصلات، أو على أبواب المساجد والأضْرِحة، يقرأ القرآن، باسطًا كفَّهُ للغادِينَ والرائحين بقَصْدِ التَّسَوُّلِ.
تَرى هذا المنظر المُفجع بين الأحياء، فإذا ما ذهبت إلى المقابر، رأيت ما هو أدهى وأمرُّ، رأيت الفقراء من حملة القرآن يتسابقون إلى المقبرة وقد اندسُّوا بين أفواج الزائرين والزائرات، يُساومونهم على مقدار ما يقرءون، ومقدار ما يأخذون ثمنًا لما يُقرءون.
وفي هذه المشاهد كلها لا تسمع قرآنًا وإنما تسمع هذْرمةً في القراءة، وإخلالًا بواجبها، وإخراجًا للقرآن ذي الروْعة والجمال إلى ذلك المنظر المُزري، الذي يُقزِّز النفوس ويجرح الصدور، ويُبعده في نظر السامعين عن أن يكون طريق الهداية والإرشاد من رب العالمين.