المُجادِلة وزوجُها:
كانت خوْلة بنت ثعلَبة زوجًا لأوس بن الصامت، فغضب منها لشأن ما، فرمى في وجهها بتلك الكلمة المأثورة"أنت عليَّ ظهْر أمي"وكانت تلك الكلمة من طلاق أهل الجاهلية، ثم قال لها بعد أن هدأت ثورته وسكن غضبه: ما أظنك إلا قد حرمتِ عليَّ، فقالت: والله ما ذاك بطلاقٍ. وأتت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقصَّتْ عليه أمرها مع زوجها: إنَّ أوسًا تزوجني، وأنا شابةٌ مرغوب فيَّ، غنية ذات أهل ومال، فلمَّا خلا سِنِّي، وأفنى شبابي، وتفرَّق أهلي، ظاهَر مني، وقد ندم. فهل من شيء يجمعني وإيَّاه؟ فيجيبها الرسول بقوله: ما أراك إلا حرُمتِ عليه، ولم ينزل عليَّ في شأنك شيءٌ، فتُعيد قولها للرسول، ويُعيد الرسول لها قوله، وأخيرًا اتَّجهتْ إلى الله شاكيةً ضارعةً: ربِّ إليك أشكو فاقَتي ووحدتي وما يشقُّ عليَّ من فراق زوجي، الذي هو أبو ولدي وأحب الناس إليَّ. رب إنك تعلم أن لي منه صبية صغارًا، إنْ ضممتُهم إليَّ جاعوا، وإنْ ضمَّهم إليه ضاعوا، وأخذت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيِّك ما به تفريج كرْبي. وما كادت تفرغ من شكْواها لربِّها، وهو عالِم بسِرِّهَا ونجواها، حتى نزل على الرسول الوحْي بهذه الآيات الأربع، فطلب منها دعوةَ زوجها فدعتْه، فتَلَا عليه رسول الله الآيات. ثم قال له: هل تستطيع العتْق؟ فقال لا والله. فقال له: هل تستطيع الصوم؟ فقال لا والله، وإني إنْ أخطأني الأكْل في اليوم مرة أو مرتينِ كَلَّ بصري وظننت أني أموتُ، فقال له: أطعِم ستينَ مسكينًا فقال: ما أجد إلا ما أن تُعينني بمَعونة وصلة، فأعانه الرسول وتصدَّق بما أعانه على ستين مسكينًا. وكان هذا أول ظهار في الإسلام، وبه استقرَّ حكم الظهار على أنه ذنب يحرم على الرجل الاتصال بزوْجه إلى أن يُكفر على هذا النحو الذي بُيِّنَ في الآيات.