خلاف قديم وحديث في المسألة:
وعلى فرْض أن أشراط الساعة ممَّا يخضع للإجماع الذي اصطلحوا عليه نقول: إن نزول عيسى قد استقرَّ فيه الخلاف قديمًا وحديثًا.
أما قديمًا فقد نصَّ على ذلك ابن حزم في كتابه:"مراتب الإجماع"حيث يقول:"واتفقوا على أنه لا نبيَّ مع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا بعده أبدًا، إلا أنهم اختلفوا في عيسى ـ عليه السلام ـ: أيأتي قبل يوم القيامة أم لا؟ وهو عيسى ابن مريم المبعوث إلى بني إسرائيل قبل مبعث محمد ـ عليه السلام".
كما نصَّ عليه ـ أيضًا ـ القاضي عياض في شرح مسلم، والسعد في شرح المقاصد، وقد سُقنا عباراتِه قريبًا، وهي واضحة جليَّة في أن المسألة ظنيَّة في وُرودها ودلالتها!
وأما حديثًا فقد قرر ذلك كل من الأساتذة المغفور لهم: الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا، والأستاذ الأكبر الشيخ المَراغي.
فالشيخ محمد عبده ـ رضي الله عنه ـ يذكر وهو بصدَد تفسير آية آل عمران: (إذْ قال اللهُ يا عيسى إني مُتوفِّيك ورافعُكَ إليَّ) ."أن للعلماء هنا طريقتين: إحداهما وهي المشهورة أنه رُفع بجسمه حيًّا وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفَّاه الله ـ تعالى ... والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها، وأن التَّوَفِّي على معناه الظاهر المُتبادر منه؛ وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح.. إلخ". ثم يذكر"أن لأهل هذه الطريقة في أحاديث الرفع والنزول تخريجينِ: أحدهما أنها آحادٌ تتعلق بأمر اعتقاديٍّ، والأمور الاعتقادية لا يُؤخذ فيها إلا بالقطعيِّ وليس في الباب حديث مُتواترٌ. وثانيهما تأويل النزول"بنحو ما سبق نقله عن شرح المقاصد (الجزء الثالث من تفسير المنار) .