الابتداع مصدر الفُرْقَةِ:
والابتداع بعد هذا وذاك ليس ذا مصدر واحد، وإنما تتعدد مصادره بمصادر المُبتدعين، وكل مبتدع يتَّبِعُ في ابْتداعه هواه، والهوى مُتشعب النواحي مختلف الأهداف؛ ومِن هنا نجد الشخصية الدينية التي انتابها الابتداع لا تقف في العقيدة الواحدة عند وَضْعٍ واحد، بل تتعدَّد في أوضاعها وصُورها بتعدُّد الأهواء التي أدخلت عليها الابتداع، ومِن ثَم تصير الشخصية الدينية الواحدة ـ التي نزلت للتوحيد بين الناس فيما يتقربون به إلى الله الواحد ـ شخصياتٍ متعددةً، تقف كل شخصية منها عند مبتدع من المبتدعين وأتباعه الذين يسلكون طريقه. ومن هنا تفقد الأمة وحدتها الدينية، ويتحكم بين هيئاتها الابتداعية تنافُس العداوة والبغضاء، وكثيرًا ما يشتد التنافس والخصام، وتشتعل نارهما فيقع بينهم التكفير واستحلال الدماء، وتنقلب الأمة يضرب بعضها رقاب بعض، وقد جاء حفظًا لوحدة الأمة في هذا الجانب قوله ـ تعالى ـ: (واعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللهِ جميعًا ولا تَفَرَّقُوا) . (الآية 103 من سورة آل عمران) .