لا تغيير في الأمور الدنْيوية:
ومِن هنا يُعلم أن الابتداع في الدِّين إنما يكون فيما تعبَّدَنا الله به من عقيدة أو عبادة أو حِلٍّ وحُرْمة.
أما ما لم يتعبَّدْنا الله بشيء منه ـ وإنما فوَّض لنا الأمر فيه باختيار ما نراه موافقًا لمصلحتنا ومُحققًا لخيرنا بحسب العصور والبيئات ـ فإن التصرف فيه بالتنظيم أو التغيير لا يكون من الابتداع الذي يُؤثر على تديُّن الإنسان وعلاقته بربه، بل إن الابتداع فيه من مُقتضيات التطوُّر الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حدِّ المَوروث مِن وسائل الحياة عن الآباء والأجداد. وإذا كان لحياة الأبناء والأحفاد وسائل غير وسائل الحياة لأسلافهم كان مِن ضرورة بقائهم وطيِّب حياتهم ومُسايرتهم للتقدُّم الزمني أن يخلعوا وسائل الأسلاف التي لا تتفق وزمنهم، ويعملوا جاهدينَ في تلبية عُصورهم بما تطلبه وتقضي به، وإلا تخلَّفوا عن الركب المُجِدِّ في السيْر، وانقطع حبل اتصالهم به، وصاروا في عُزلة لا يُسمع لهم فيها صوت، ولا يُعرف لهم فيها وجود.
ولو كان من سُنَّةِ الله في تعبُّده لعباده أن يُقيَّدوا في هذا الجانب بمنهج خاص لحَدَّدَ لهم أرض الزراعة وأنواعها وطُرقها، ولَحَدَّدَ لهم نوعًا من القوة التي أمرهم بإعدادها وأطلقها إطلاقًا، ولحدَّد لهم نوعًا أو نوعينِ من مظاهر الحضارة المختلفة التي يعلم أنها ستكثر وتنتشر وتأخذ بأطراف العالَم، ولكنه ـ سبحانه وتعالى ـ لم يُحدد لعباده شيئًا مِن ذلك، بل أطلق للعقل الإنساني حريته في هذا الجانب كله، ولم يأمره إلا بالبحث والنظر، والكدِّ والعمل بقصد الإصلاح والتعمير: (واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ) . (الآية 220 من سورة البقرة) .