ابتداع المَوالد في عُهود التأخُّر:
ما حُكم الدين في إقامة الموالد للمَشايخ ووَضْع الشمع والمناديل على مقاماتهم؟
الموالد: هي هذه الحفلات الصاخبة، أو المجتمعات السُّوقية العامة، التي ابتدعها المسلمون في عُهودهم المتأخرة باسم تكريم الأولياء وإعلان قدْرهم ومكانتهم، عن طريق تقديم النُّذُور والقرابين وذبْح الذبائح، وإقامة حفلات الذكْر، وعن طريق الخُطب والقصص والمناقب والأناشيد، التي تُصور حياة الولِيِّ، وتَصِف تنقُّله في معارج الولاية، وما يتحدث به الناس عنه، ويُضاف إليه من كشْفٍ وخوارقَ وكراماتٍ.
تُقام تلك الحفلات لأولياء المُدن، ولكثير من أولياء القرى، وقد تُقام حفلة الميلاد في السنة الواحدة للولي الواحد مرتينِ فأكثر. ولهذه الموالد على العموم عُشاق يضعونها في مَصافِّ الشئون الدينية التي يتقرَّبون بها إلى الله عن طريق الولِي، فيَحفظون تواريخها، ويُهيئون طول العام لها، حتى إذا ما حلَّ وقتُها تراهم يَحزمون أمتعتهم، ويَرتحلون بقَضِّهِم وقَضِيضِهِمْ، برجالهم ونسائهم، بشيوخهم وشُبَّانهم. ويُلقون بأحمالهم ـ كما يقولون ـ على شيَّال الحمول صاحب المولد، تاركينَ بُيوتهم ومَصالحهم في قُراهم ومزارعهم مدةً تتراوح بين أسبوع وأسبوعين.
والمَشياخ الأولياء ـ من جهة تعلُّق الناس بهم، والعناية بمَوالدهم ـ على قِيَمٍ مختلفة ودرجات متفاوتة، فمنهم مَن يَعْظُمُ عند الناس جاهُه، ويمتد في نظرهم سلطانه. ويتسع صدره لكل لونٍ من ألوان الحياة، ولكل رغبةٍ مِن رغبات الطوائف، حتى لقد تَرَى حفلات المُقامرين والمقامرات بجانب حفلات المُدمنين والمدمنات، وبجانبها حفلات الذاكِرينَ والذاكرات، والخلِيعين والخليعات، والراقصين والراقصات، ويَجُوسُ خلال الجميع المُتسوِّلون والمُتسولات، والنشَّالون والنشالات، وكل ذلك يُصنع في الموالد، وعليه تُقام، وإليها يُهرع الناس باسم الولاية وتكريم المشايخ.